الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٨
اوديم (٣٠٠ ق. م) و تاوفرسطس (٢٨٧ ق. م.)، متأثرين فى الغالب بالمنطق الرواقى الذي يقوم أساسا على علاقة التلازم[١].
٢- الكيف: يحلل ابن سينا النفى و الإثبات تحليلا يكاد يلتقى مع الدراسات المنطقية و السيكلوجية الحديثة. فيرى أن الإثبات إيجاب النسبة أو إيقاع شىء على شىء و أن النفى انتزاع النسبة أو انتزاع شىء عن شىء[٢]، فالإثبات سابق على النفى، أو بعبارة أخرى الإثبات وجود، و النفى سلب ذلك الوجود. و فى الإثبات بناء و كسب لمعلومات جديدة، فى حين أن النفى مجرد هدم و إنكار[٣]. و مع هذا لا يقر ابن سينا المفاضلة بينهما و تقديم أحدهما على الآخر، لأنهما أمر ان متقابلان. و يصرح بأن القول بأن الإيجاب أشرف من السلب «نوع من العلم لا أفهمه، و لا أميل أن أفهمه»[٤].
فالقضية سالبة أو موجبة، و لا واسطة بينهما. و مع هذا يأخذ ابن سينا بالقضية المعدولة و هى التي انصب النفى على محمولها، مثل زيد غير عادل، و يطيل الحديث فيها، مبينا الفرق بينها و بين القضية السالبة التي ينصب النفى فيها على النسة[٥]. و الواقع أن هذه تفرقة لفظية، فإن القضية السابقة لا تختلف فى مدلولها عن قولنا: زيد ليس بعادل- و إذا كان أرسطو قد قال بالألفاظ المحصلة و المعدولة، مثل إنسان و لا إنسان، فإنه لم يطبق هذا على القضايا. و إنما طبقه المشاءون المتأخرون، و جاراهم فيه ابن سينا خطأ.
٣- القضايا ذوات الجهة: لا شك فى أنها تمثل مظهرا من مظاهر المادية فى منطق يوصف بالصورية المطلقة، و المادة و الصورة عند أرسطو تختلطان و تلتقيان. و فكرة الجهة ترمى إلى تقريب الحكم من الواقع و ربطه به، و لذا لا يقرها المناطقة الصوريون الغلاة[٦]. و ينحو فيها ابن سينا منحى أرسطو، فيعرض لها فى القضايا، كما يعرض لها فى الأقيسة. و الجهة عنده لفظ يضاف إلى القضية ليبين نوع العلاقة بين الموضوع و المحمول و يدل على أحد أمور ثلاثة، هى: الوجوب، أو الامكان، أو الامتناع[٧].
[١]
Brochard, la logique d u des Stoiciens dans Etudes de philosophie ancienne et moderne, Paris ١٩١٢, P. ٢٢٤- ٢٥.
[٢] ابن سينا، كتاب العبارة، ص ٣٣- ٣٥.
[٣] المصدر السابق، ص ٣٥.
[٤] المصدر السابق، ص ٣٦.
[٥] المصدر السابق، ص ٧٧- ٨٢.
[٦]
Rondolet, Tbeorie logique des propositions modales, Paris, ١٨٦١, p. ٤٨.
[٧] ابن سينا، كتاب العبارة، ١١٢.