الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ١٠
فى الجزئيتين المختلفتى الكيف، و هما لا تكذبان معا، و قد تصدقان معا، مثل: بعض الناس كاتب، و بعض الناس ليس بكاتب[١]. و أخيرا القضيتان المتداخلتان هما اللتان تختلفان فى الكم فقط، مثل: كل الناس يفنون، و بعض الناس يفنون[٢]. و هذا فى الواقع ليس من التقابل فى شىء، لأن القضيتين قد تصدقان معا، و قد تكذبان معا، و أساس التقابل الاختلاف فى الإيجاب و السلب. و أغلب الظن أن التناظر وحده هو الذي أدى إليه، و للتناظر شأن فى بعض التقسيمات المنطقية. و على كل لم يقف ابن سينا عند التداخل طويلا و إن كان قد أشار إليه.
و قد عرّف أرسطو القضيتين المتناقضتين، و المتضادتين، و لم يعن بالداخلتين تحت التضاد، و عدهما ضربا من التقابل اللفظى لا المنطقى[٣]. و يلتقى معه فى هذا تمام الالتقاء هملتون [١٨٥٦] بين المناطقة المحدثين[٤]. أما التداخل فلم يشر إليه أرسطو مطلقا، و هو قطعا أبعد عن فكرة التقابل من الدخول تحت التضاد. و لم يفترق عنه ابن سينا فى هذا كثيرا، لأنه برغم إشارته إلى أنواع التقابل الأربعة يرى أن التقابل الحق إنما ينصب على التناقض و التضاد، و هما اللذان يستخدمان فقط فى الاستدلال المباشر.
٥- العكس: لم يشر إليه ابن سينا فى «كتاب العبارة» إلا عرضا[٥] و رأى أسوة بأرسطو أن يعالجه فى «كتاب القياس»[٦]، و آثرنا أن نلخص أفكاره هنا، استكمالا لمنطق القضايا، لا سيما و قد التزم هو ذلك فى دراساته المنطقية الأخرى[٧]. و العكس جعل محمول القضية موضوعا، و موضوعها محمولا، مع بقاء السلب و الإيجاب و الصدق و الكذب بحالهما[٨]. و تعكس الكلية السالبة مثل نفسها، فعكس لا شىء من ج ب، هو لا شىء من ب ج. و يحاول ابن سينا أن يبرهن على ذلك- كما صنع أرسطو- بقياس من الشكل الثالث، و لا تخلو هذه البرهنة من دور، لأن أرسطو يلجأ إلى العكس ليثبت صحة إنتاج الشكل الثالث[٩]، و عبثا حاول أوديم و ثاوفرسطس الخروج من هذا
[١] المصدر السابق، ٧٤.
[٢] ابن سينا، منطق المشرقيين، القاهرة، ١٩١٠، ص ٧٦.
[٣]
Aristote, Hermenia, ١٠, ٢٠ a, ١٩, Prem. anxlyt., ١١, ١٥.
[٤]Hamilton ,Lectures ;t .III ,XIV ,P .٢٦١ .
[٥] ابن سينا، كتاب العبارة، ص ١٢١.
[٦] ابن سينا، ص ٥٧- ٦٥.
[٧] ابن سينا النجاة، ص ٤٢- ٤٦؛ الإشارات، ص ٤٤- ٥٥.
[٨] ابن سينا، كتاب القياس، القاهرة، ١٩٦٤، ص ٧٥.
[٩] ابن سينا، المصدر السابق، ص ٧٦- ٨٤.