مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٣٣١
الاتباع ، وهي الإيمان والعمل الصالح ، وأن مجرّد الاتباع من دون أن يستتبع ذلك بعمل صالح لا أثر له ، ولا يستلزم استحقاق هذا الجزاء الحسن ، وقد أكّد ذلك سبحانه وتعالى في عدّة مواضع من القرآن الكريم ، قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [سورة البقرة ، الآية : ٦٢] ، وتوفية الجزاء ، أي إعطاء الثواب وافيا من غير نقص كما تقدّم ، ومقتضى المقابلة بين الجملتين أن يكون الجزاء في الدارين الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا الفوقيّة والذكر الحسن والغلبة والنصرة ، وفي الآخرة الجنّة وحسن المآب.
قوله تعالى : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
تأكيد لمضمون ما ورد في الآية السابقة ، وهو أن مجرّد الاتباع لبعض الأفراد لا يوجب اللحوق بالمؤمنين ما لم يستتبع الإيمان بالعمل الصالح ، فإنه ظالم والله لا يحبّ الظالمين ، فهذه الآية المباركة تشير إلى الطائفة الثالثة ، وهي المتبعون في اللسان ومن انتسب إلى عيسى ٧ بالقول فقط ، من دون أن يتلبّس بحقيقة الإيمان ، ولعلّه لذلك لم يختم سبحانه وتعالى الآية الشريفة بما يدلّ على الرحمة والرأفة والمغفرة ، كما هو عادته تعالى في سائر الموارد.
قوله تعالى : (ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ).
إشارة إلى قصص عيسى ٧ التي ذكرها الله تعالى من حين ولادته إلى رفعه إلى السماء. والمراد بالذكر الحكيم هو القرآن الكريم الذي أحكمت آياته بخلوصها من الباطل ، والمتّقن نظمه والمشتمل على الحكمة ، يهدي المؤمنين إلى الصراط المستقيم والدين القويم ، المبيّن للمغيبات.
وإنما أتى بما يدلّ على البعد للإشارة إلى عظيم منزله المشار إليه وكرامته وشرفه ، وبهذه الآية الشريفة يختتم سبحانه وتعالى قصص عيسى ٧ وأخباره من حين ولادته إلى وفاته ورفعه في المقام ، ولكنه تعالى لم يفرغ منها ، وهذا ممّا تدلّ عليه هيئة المضارع في «نتلوه» ، الدالّة على استمرار الوحي.