مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٢٨٦
الكتاب ، وفيها الدلالة على أن ذلك وحي من الله تعالى.
وإطلاق النفي يشمل نفي الحضور الجسماني والروحاني ، ومنه يظهر ضعف ما ذكره بعض من أن الأرواح خلقت قبل الأجساد ، وأنها كانت عالمة بكلّ شيء قبل التعلّق بالأجساد ، فلما تعلّقت بها سلبت عنها علومها وانحصرت معرفتها بما يستفيده الإنسان بالجهد ، ويستندون في ذلك إلى بعض الأحاديث ، وسيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام فيه ، ونظير المقام قوله تعالى : (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ) [سورة القصص ، الآية : ٤٦] ، وقوله تعالى : (وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) [سورة القصص ، الآية : ٤٤] ، والجميع يدلّ على انحصار علم رسول الله ٦ بالأمور الغيبيّة بالوحي السماوي فقط.
والآية الشريفة تدلّ أيضا على كمال العناية بشأن مريم والاهتمام بها وكرامتها على الله تعالى وعظم منزلتها عند سدنة بيت المقدس ، ولعلّ السرّ في ذلك أنهم عرفوا بوجه من الوجوه أن لها شأنا من الشأن وتكون منشأ لحادثة عظيمة ، وهي الولادة من غير أب.
وكيف كان ، فالآية المباركة تدلّ على قداسة ام المسيح وتبطل الشبهات التي لم تتورّع اليهود أن يلصقوها بمريم ، كما أنها تدلّ على إبطال مزاعم النصارى في مريم ، ببيان كاف وشرح واف تقبله العقول السليمة والأذهان المستقيمة ، وإخراجها عن حدّ الإفراط والغلو ومنحها أرفع المقامات ، وهو مقام التقوى والخضوع لربّ العالمين والعبوديّة لله تعالى.
ومن عجيب الأمر أن امراة عمران نذرت ما في بطنها محرّرا بخلوص ، وحزنت عند ما وضعت المولود أنثى ، لاحتياجها إلى رعاية الام أكثر من غيرها ، ولكن الله تعالى تقبّلها وجعل قلوب سدنة بيت المقدس تهوى إليها ، فتشاجر القوم وتنازعوا في كفالتها وحضانتها وحفظها وحراستها ، ولا بد من الاعتبار والتوكّل عليه تعالى ، وجعل هذه القصة نصب الأعين ، فكلّ من أخلص في عمله لله تعالى يراعي الله عزوجل شأنه ويوكل قوما من عباده لحفظه ورعايته ، أنه على كلّ شيء قدير.