تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام - إبراهيم بن محمّد بن عيسى الميموني - الصفحة ١١٠ - ـ ذكر حلية الكعبة المعظمة ومغاليقها
لأن النبى ٦ أخبر أن رد الكعبة إلى قواعد إبراهيم ٧ مصلحة ولكن يعارضه مفسدة أعظم منه وهى خوف فتنة بعض من أسلم قريبا لما كانوا يرون تغييرها عظيما فتركها النبى ٦ ، ومنها فكر ولى الأمر فى مصالح رعيته واجتناب ما يخاف منه تولد ضرر عليهم فى دين أو دنيا إلا الأمور الشرعية كأخذ الزكاة وإقامة الحد ، ومنها تألف قلوبهم وحسن حياتهم ، وأن لا ينفروا ولا يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعى ، انتهى كلام النووى. وقال الإمام ابن هبيرة : فيه أنه يدل على جواز تأخير الصواب لأجل قالة الناس. وقد رأى مالك والشافعى رضى الله عنهما أن تركه أولى لئلا يصير البيت الشريف ملعبة للملوك انتهى. وقول ابن هبيرة : إن التأخير لأجل قالة الناس فيه نظر ، وظاهر الخبر أنه لخشية الردة عليهم بنقض بعض بنائهم الذى يعدونه من أكمل شرفهم ، وقوله : إن مالكا والشافعى رضى الله عنهما رأيا أن ذلك أولى ، يشهد له بالنسبة لمالك قول التقى الفاسى من أئمة المالكية ، وروى أن الخليفة الرشيد وقيل أبوه وقيل جده المنصور أراد أن يغير ما صنعه الحجاج فى الكعبة وأن يردها إلى ما صنع ابن الزبير فنهاه عن ذلك الإمام [١] مالك وقال : أنشدتك الله لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك لا يشأ أحد منهم أن يغيره إلا غيره فتذهب أبهته من قلوب الناس ، انتهى بالمعنى. وكان مالكا لحظ فى ذلك كون درء المفاسد أولى من جلب المصالح وهى قاعدة مشهورة معتمدة ، انتهى كلام الفاسى. فتعبيره بأولى مساو لقول ابن هبيرة عن مالك أنه رأى أن ذلك أولى ، فإن قلت استشهاد الفاسى بالقاعدة المذكورة يدل على الوجوب ؛ لأن درء المفاسد يجب تقديمه على جلب المصالح قلت : هذا إيهام لأن المفاسد على قسمين : مظنونة الوقوع فهذه هى التى تجب تقدم رعايتها على جلب المصالح ، ومتوهمة الوقوع وهذه هى التى تكون رعايتها أولى لا واجبة ، وما نحن فيه من هذا الثانى كما هو واضح ، إذ حينئذ تغيير الملوك لها حتى تذهب هيبتها من القلوب مع ما استقر فى النفوس من تعظيمها بعيد جدا فكان متوهما لا مظنونا فصح التعبير فى هذا المقام بأولى ، فتأمله. ويشهد لذلك بالنسبة للشافعى رضى الله عنه قول النووى ; فى شرح المهذب ، قال القاضى أبو الطيب فى تعليقه فى باب دخول مكة فى آخر مسألة افتتاح الطواف
[١] انظر أعلام العلماء الأعلام ص ٧١.