تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام - إبراهيم بن محمّد بن عيسى الميموني - الصفحة ١٠٨ - ـ ذكر حلية الكعبة المعظمة ومغاليقها
وأما الرفادة فأصلها خرج كانت قريش تخرجه من أموالها إلى قصى يصنع به طعاما للحاج يأكله من ليس له سعة ولا زاد ، وكان قصى يخسر على كل طريق من طرق مكة جزرا كثيرة ويطعم الناس ، وكان يحمل راجل الحاج ويكسو عاريهم ، ثم صارت بعد عبد مناف ابن قصى إلى ابنه هاشم ، فكان يطعم الناس فى كل موسم إلى أن توفى ، فقام بذلك بعده عبد المطلب ثم بعده أبو طالب واستمر إلى أن جاء الإسلام فقام به النبى ٦ وأرسل بمال يعمل به الطعام مع أبى بكر رضى الله عنه حين حج بالناس سنة تسع ، ثم عمل سنة عشر فى حجة الوداع ، ثم أقامه أبو بكر فى خلافته ثم عمر ثم الخلفاء بعده ، فلما ولى معاوية رضى الله عنه اشترى دارا بمكة وسماها دار المرافد ، وجعل فيها قدورا فكانت ، الجزر من الغنم تطبخ فيها للحاج أيام الموسم ثم يفعل ذلك فى شهر رمضان ، ويروى أن أول من أطعم الحاج الفالوذج بمكة عبد الله بن جدعان وفد على كسرى فأطل عنده الفالوذج ، فسأل عنه ، فقالوا : لباب البر مع العسل ، فقال : آتونى غلاما يصنعه ، فآتوه بغلام فاشتراه وقدم به مكة فصنع الفالوذج للحاج ، ووضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد ، ثم نادى مناديه ألا من أراد الفالوذج ، فحضر الناس ، وما زال ذلك إطعامه للحاج إلى الجاهلية.
وأما السقاية [١] فكان أصلها حياضا من أدم توضع على عهد قصى بفناء الكعبة وتملى ماء للحاج ، وكان قصى يسقى اللبن المخيض ويسقى الماء المنبوذ بالزبيب أيضا ، وما زال ذلك فعله حتى هلك ، فقام به هاشم بعده ، ثم أخوه المطلب بعده ، ثم عبد المطلب ، وكان يسقى لبنا وعسلا فى حوض من أدم عند زمزم ، ثم قام به العباس رضى الله عنه بتوليته النبى ٦ ، ولم يزل فى ولده من بعده ، وأما الندوة فهى دار بناها قصى حين صار أمر مكة إليه ليحكم فيها بين قريش ، وكانت أول دار بنيت بمكة ولم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصى إلا ابن أربعين سنة للمشورة ؛ وأما ولد قصى فيدخلونها كلهم وحلفاؤهم ، ولم تزل دار الندوة لاجتماع الندا فيها ؛ لأنهم كانوا يندونها فيجلسون فيها لتشاورهم وإبرام أمرهم وعقد الألوية لحروبهم ، وهذه الدار فى الرواق الشامى من المسجد الحرام وهى معروفة مشهورة.
[١] انظر شفاء الغرام ١ / ٢٥٩.