تذكرة بالإخبار عن اتّفاقات الأسفار - محمّد بن أحمد بن جبير الأندلسي - الصفحة ٨٩ - نص الرحلة
ثلثا شبر وطوله ذراع ، فلما اطمأنا فيه ، أمر الله العنكبوت فاتخذت عليه بيتا ، والحمام فصنعت عليه عشا وفرخت فيه. فانتهى المشركون إليه بدليل قصّاص للأثر ، مستاف أخلاق الطريق ، فوقف لهم على الغار وقال : ههنا انقطع الأثر ، فإما صعد بصاحبكم من ههنا إلى السماء ، أو غيض به في الأرض. ورأوا العنكبوت ناسجة على فم الغار والحمام مفرخة فيه ، فقالوا : ما دخل هنا أحد. فأخذوا في الانصراف. فقال الصديق ، رضي الله عنه : يا رسول الله! لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع؟ فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : «لو ولجوا علينا منه كنا نخرج من هناك ، وأشار بيده المباركة الجانب الآخر من الغار ، ولم يكن فيه شق ، فانفتح للحين فيه باب ، بقدرة الله عز وجل ، وهو سبحانه قدير على ما يشاء.
وأكثر الناس ينتابون هذا الغار المبارك ويتجنبون دخوله من الباب الذي أحدث الله عز وجل فيه ، ويرومون دخوله من الشق الذي دخل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، منه تبركا به. فيمتد المحاول لذلك على الأرض ويبسط خده بإزاء الشق ويولج يديه ورأسه أولا ثم يعالج إدخال سائر جسده. فمنهم من يتأتى له ذلك بحسب قضافة [١] بدنه ، ومنهم من يتوسط بدنه فم الغار فيعضه ، فيروم الدخول أو الخروج فلا يقدر ، فينشب ويلاقي مشقة وصعوبة ، حتى يتناول بالجذب العنيف من ورائه.
فالعقلاء من الناس يجتنبونه لهذا السبب ، ولا سيما يتصل به سبب آخر مخجل فاضح ، وذلك أن عوام الناس يزعمون أن الذي لا يسع عليه ويمتسك فيه ولا يلجه ليس لرشدة [٢]. جرى هذا الخبر على ألسنتهم حتى عاد عندهم قطعا على صحته لا يشكون. فبحسب المنتشب [٣] فيه المتعذر ولوجه عليه ما يكسوه هذا الظن الفاضح المخجل ، زائدا ما يكابده بدنه من اللز في ذلك المضيق وإشرافه منه على المنية توجعا وانقطاع نفس وبرح ألم. فالبعض من الناس يقولون في مثل : ليس يصعد جبل أبي ثور إلا ثور.
[١] القضافة : النحافة والرقة.
[٢] الرشدة : ضد الغي والزنى.
[٣] المنتشب : العالق الذي الذي لا يستطيع النفاذ أو المرور.