تذكرة بالإخبار عن اتّفاقات الأسفار - محمّد بن أحمد بن جبير الأندلسي - الصفحة ٢٨ - نص الرحلة
السلطان ، فمنهم من له الخمسة دنانير مصرية في الشهر ، وهي عشرة مؤمنية [١] ، ومنهم من له فوق ذلك ومنهم من له دونه. وهذه منقبة كبيرة من مناقب السلطان ، إلى غير ذلك مما يطول ذكره من المآثر التي يضيق عنها الحصر.
مغادرة الإسكندرية
ثم كان الانفصال عنها ، على بركة الله تعالى وحسن عونه ، صبيحة يوم الأحد الثامن لذي الحجة المذكور ، وهو الثالث لأبريل ، فكانت مرحلتنا منه موضع يعرف بدمنهور ، وهو بلد مسور في بسيط من الأرض أفيح [٢] ، متصل من الإسكندرية إليه إلى مصر. والبسيط كله محرث ، يعمه النيل بفيضه ، والقرى فيه يمينا وشمالا لا تحصى كثرة. ثم في اليوم الثاني ، وهو يوم الاثنين ، أجزنا النيل بموضع يعرف بصا في مركب تعدية. واتصل سيرنا إلى موضع يعرف ببرمة فكان مبيتنا بها ، وهي قرية كبيرة فيها السوق وجميع المرافق. ثم بكرنا منها يوم الثلاثاء ، وهو يوم عيد النحر من سنة ثمان وسبعين وخمسمائة المؤرخة ، فشاهدنا الصلاة بموضع يعرف بطندته [٣] وهي من القرى الفسيحة الآهلة ، فأبصرنا بها مجمعا حفيلا ، وخطب الخطيب بخطبة بليغة جامعة. واتصل سيرنا إلى موضع يعرف بسبك وكان مبيتنا بها.
واجتزنا في ذلك اليوم على موضع حسن يعرف بمليج ، والعمارة متصلة والقرى منتظمة في طريقنا كلها. ثم بكرنا منها يوم الأربعاء بعده. فمن أحسن بلد مررنا عليه موضع يعرف بقليوب [٤] على ستة أميال من القاهرة فيه الأسواق الجميلة ومسجد جامع كبير حفيل البنيان ، ثم بعده المنية ، وهو موضع أيضا حفيل ، ثم منها إلى القاهرة ، وهي مدينة السلطان الحفيلة المتسعة ، ثم منها إلى مصر المحروسة. وكان دخولنا فيها إثر صلاة العصر من يوم الأربعاء ، وهو الحادي عشر من ذي الحجة المذكور والسادس
[١] نسبة إلى عبد المؤمن بن علي الكومي ، مؤسس الدولة الموحدية.
[٢] أفيح (مذكر فيحاء) : الواسع ، ومنه جاء وصف كل من دمشق والبصرة وطرابلس بالفيحاء.
[٣] طندته : مدينة طنطا.
[٤] قليوب : مدينة القليوبية.