تذكرة بالإخبار عن اتّفاقات الأسفار - محمّد بن أحمد بن جبير الأندلسي - الصفحة ١٢١ - نص الرحلة
كاد يلتقي طرفاها خفوقا واستعجالا. ثم تقدم احدهم فعقد حبوته بين تلك الأثافيّ وصدع بخطبة منتزعة من خطبة الصبي ابن الإمام الحنفي فأرسلها معادة إلى الأسماع ثقيلا لحنها على الطباع ، ثم انفض الجمع ، وقد جمد في شؤونه الدمع ، واختطف للحين من أثافيه ذلك الشمع ، أطلقت عليه أيدي الانتهاب ، ولم يكن في الجماعة من يستحى منه أو يهاب. وعند الله تعالى في ذلك الجزاء والثواب ، إنه سبحانه الكريم الوهاب.
وانتهت ليالي الشهر ذاهبة عنا بسلام ، جعلنا الله ممن طهر فيها من الآثام ، ولا أخلانا من فضل القبول ببركة صومه في جوار الكعبة البيت الحرام ، وختم الله لنا ولجميع أهل الملة الحنفية بالوفاة على الإسلام ، وأوزعنا حمدا يحق هذه النعمة وشكرا ، وجعلها للمعاد لنا ذخرا ، ووفانا عليها ثوابا من لديه وأجرا يرجى بفضله وكرمه ، أنه لا يضيع لديه أيام اتخذ لصيامها ماء زمزم فطرا ، إنه الحنان المنان ، لا رب سواه.
شهر شوال
عرفنا الله بركته
استهل هلاله ليلة الثلاثاء السادس عشر من ينير [١] ، يمن الله مطلعه ، ورزقنا بركته ، وهذا الشهر المبارك هو فاتحة أشهر الحج المعلومات ، وبعده تتصل ثلاثة الأشهر الحرم المباركات. وكانت ليلة استهلال هلاله من الليالي الحفيلة في المسجد الحرام ، زاده الله تكريما. جرى الرسم المذكور ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم ، وأوقدت الصوامع من أربع الجهات من الحرم ، وأوقد سطح المسجد الذي في أعلى جبل أبي قبيس. وأكثر الأئمة تلك الليلة أحيا ، وأكثر الناس على مثل تلك الحال بين طواف وصلاة وتهليل وتكبير ، يقبل الله من جميعهم ، إنه سميع الدعاء كفيل بالرجاء ، سبحانه لا إله سواه.
فلما كان صبيحتها وقضى الناس صلاة الفجر ، لبس الناس أثواب عيدهم وبادروا لأخذ مصافهم لصلاة العيد بالمسجد الحرام ، لأن السنة جرت بالصلاة فيه دون مصلى يخرج الناس إليه ، رغبة في شرف البقعة وفضل بركتها وفضل صلاة الإمام خلف
[١] ينير : يناير (كانون الثاني).