تذكرة بالإخبار عن اتّفاقات الأسفار - محمّد بن أحمد بن جبير الأندلسي - الصفحة ٥٨ - نص الرحلة
خطر ومعتسف غرر [١] والله قد أوجد الرخصة فيه على غير هذه الحال ، فكيف وبيت الله الآن بأيدي أقوام قد اتخذوه معيشة حرام وجعلوه سببا إلى استلاب الأموال واستحقاقها من غير حل ، ومصادرة الحجاج عليها وضرب الذلة والمسكنة الدنية عليهم ، تلافاها الله عن قريب بتطهير يرفع هذه البدع المجحفة عن المسلمين بسيوف الموحدين أنصار الدين ، وحزب الله أولى الحق والصدق ، والذابّين عن حرم الله عزّ وجل ، والغائرين على محارمه ، والجادين في إعلاء كلمته وإظهار دعوته ونصر ملته ، إنه على ما يشاء قدير ، وهو نعم المولى ونعم النصير.
وليتحقق المتحقق ويعتقد الصحيح الاعتقاد أنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب ، لأنهم على جادة واضحة لا بنيات لها. وما سوى ذلك مما بهذه الجهات المشرقية فأهواء وبدع ، وفرق ضالة وشيع ، إلا من عصم الله عزّ وجل من أهلها. كما أنه لا عدل ولا حق ولا دين على وجهه إلا عند الموحدين ، أعزهم الله ، فهم آخر أئمة العدل في الزمان. وكل من سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة يعشرون تجار المسلمين كأنهم أهل ذمة لديهم ، ويستجلبون أموالهم بكل حيلة وسبب ، ويركبون طرائق من الظلم لم يسمع بمثلها. اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين ، الذي قد ذكرنا سيرته ومناقبه ، لو كان له أعوان على الحق ... مما أريد الله عز وجل يتلافى المسلمين بجميل نظره ولطيف صنعه.
الدعوة المؤمنية الموحدية [٢]
ومن عجيب ما شاهدناه في أمر الدعوة المؤمنية الموحدية وانتشار كلمتها بهذه البلاد واستشعار أهلها لملكتها أن أكثر أهلها ، بل الكل منهم يرمزون بذلك رمزا خفيا حتى يؤدي ذلك بهم إلى التصريح ، وينسبون ذلك لآثار حدثانية وقعت بأيدي بعضهم أنذرت بأشياء من الكوائن فعاينوها صحيحة.
[١] الغرر : التعرض للهلاك.
[٢] نسبة إلى عبد المؤمن بن علي الكومي مؤسس دولة الموحدين في المغرب والأندلس.