تذكرة بالإخبار عن اتّفاقات الأسفار - محمّد بن أحمد بن جبير الأندلسي - الصفحة ١٠١ - نص الرحلة
وفي تلك الليلة ملئ المسجد الحرام كله سرجا فتلألأ نورا. وعند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير ، أمر بضرب الطبول والدبادب [١] والبوقات ، إشعارا بأنها ليلة الموسم. فلما كانت صبيحة ليلة الخميس ، خرج إلى العمرة في احتفال لم يسمع بمثله ، انحشد له أهل مكة على بكرة أبيهم ، فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة وحارة حارة ، شاكين في الأسلحة فرسانا ورجالة ، فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة ، يتعجب المعاين لهم لوفور عددهم ، فلو أنهم من بلاد جمة لكانوا عجبا ، فكيف وهم من بلد واحد؟ وهذا أدل الدلائل على بركة البلد. فكانوا يخرجون على ترتيب عجيب ، فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم يلعبون بالأسلحة عليها ، والرجالة يتواثبون ويتثاقفون بالأسلحة في أيديهم حرابا وسيوفا وحجفا [٢] وهم يظهرون التطاعن بعضهم لبعض والتضارب بالسيوف والمدافعة بالحجف التي يستجنون بها. وأظهروا من الحذق بالثقاف [٣] كل أمر مستغرب. وكانوا يرمون بالحراب إلى الهواء ، ويبادرون إليها لقفا بأيديهم ، وهي قد تصوبت أسنتها على رؤوسهم ، وهم في زحام لا يمكن فيه المجال. وربما رمى بعضهم بالسيوف في الهواء ، فيستلقونها قبضا على قوائمها ، كأنها لم تفارق أيديهم. إلى أن خرج الأمير يزحف بين قواده ، وأبناؤه أمامه ، وقد قاربوا من الشباب. والرايات تخفق أمامه ، والطبول والدبادب بين يديه ، والسكينة تفيض عليه. وقد امتلأت الجبال والطرق والثنيات بالنظارة من جميع المجاورين.
فلما انتهى الميقات وقضى غرضه أخذ في الرجوع ، وقد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم ومرحهم ، والرجالة على الصفة المذكورة من التجاول. وقد ركب جملة من أعراب البوادي نجبا صهبا [٤] لم ير أجمل منظرا منها ، وركابها يسابقون الخيل بها ، بين يدي الأمير ، رافعين أصواتهم بالدعاء له والثناء عليه ، إلى أن وصل المسجد الحرام ،
[١] الدبادب : الطبول.
[٢] الحجف : جمع حجفة ، وهي ترس من جلد بلا خشب.
[٣] الثقاف : مصدر ثاقف ، أي غالب في الحذق والمهارة في الطعان.
[٤] النجب : جمع نجيب وهو الكريم النفيس من الإبل. والصهب : جمع أصهب وصهباء ، وهو ما خالط بياضه حمرة.