تذكرة بالإخبار عن اتّفاقات الأسفار - محمّد بن أحمد بن جبير الأندلسي - الصفحة ٤٣ - نص الرحلة
المشتهرين بالخير والزهادة ، وهما مسجدان موسومان بالبركة ، دخلنا إليهما متبركين بالصلاة فيهما ، وذلك يوم السبت التاسع عشر لمحرم. وبهذه المدينة آثار ومصانع من بنيان القبط وكنائس معمورة الآن بالمعاهدين من نصارى القبط. ومن أعظم الهياكل المتحدث بغرائبها في الدنيا ، هيكل عظيم في شرقي المدينة وتحت سورها ، طوله مئتا ذراع وعشرون ذراعا ، وسعته مئة وستون ذراعا ، يعرف عند أهل هذه الجهة بالبربا [١]. وكذلك يعرف كل هيكل عندهم ، وكل مصنع قديم. قد قام هذا الهيكل العظيم على أربعين سارية ، حاشا حيطانه. دور كل سارية منها خمسون شبرا ، وبين كل سارية وسارية ثلاثون شبرا ، ورؤوسها في نهاية من العظم والإتقان ، قد نحتت نحتا غريبا فجاءت مركنة بديعة الشكل ، كأن الخراطين تناولوها ، وهي كلها مرقشة بأنواع الأصبغة اللازوردية وسواها. والسواري كلها منقوشة من أسفلها إلى أعلاها. وقد انتصب على رأس كل سارية منها رأس صاحبتها التي تليها لوح عظيم من الحجر المنحوت ، من أعظمها ما كلنا فيه ستة وخمسين شبرا طولا وعشرة أشبار عرضا وثمانية أشبار ارتفاعا. وسقف هذا الهيكل كله من ألواح الحجارة المنتظمة ببديع الإلصاق ، فجاءت كأنها فرش واحد. وقد انتظمت جميعه التصاوير البديعة والأصبغة الغريبة ، حتى يخيل للناظر فيها أنها سقف من الخشب المنقوش. والتصاوير على أنواع في كل بلاط من بلاطاته ، فمنها ما قد جللته طيور بصور رائقة ، باسطة أجنحتها توهم الناظر إليها أنهاتهم بالطيران ، ومنها ما قد جللته تصاوير آدمية رائقة المنظر رائعة الشكل. قد أعدت لكل صورة منها هيئة هي عليها ، كإمساك تمثال بيدها ، أو سلاح ، أو طائر ، أو كأس ، أو إشارة شخص آخر بيده ، أو غير ذلك ، مما يطول الوصف له ولا تتأتى العبارة لاستيفائه.
وداخل هذا الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير كلها مختلفات الأشكال والصفة ، ومنها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الآدميين يستشعر الناظر إليها رعبا ويتملأ منها عبرة وتعجبا. وما فيه مغرز أشفى [٢] ولا إبرة إلا وفيه صورة أو نقش أو خط بالمسند لا يفهم. قد عم هذا الهيكل العظيم الشأن كله هذا
[١] بربا أو بربة (جعها برابي) : معبد أو مدفن مصري قديم.
[٢] الأشفى : المخرز.