المدينة المنوّرة بين الأدب والتاريخ - الدكتور عاصم حمدان علي حمدان - الصفحة ٢٣ - ـ شعراء المدينة المنورة والشعر الملحمي في القرن الثاني عشر الهجري (٣)
| يا صاح ناد البواكي وابك أنت معي | ولا تصبرن نفسي. لا تسليها | |
| ما مثل طيبة ، ما مثل الذي لقيت | من الأسى ، فبمن ترجو تآسيها | |
| حاشا لمختلف الأملاك من غير الد | نيا وما صنعت فيها لياليها | |
| بأبي الفداء لها من كل حادثة | لو كان ينفعها أني أفديها | |
| وغاية الجهد أن أبكي لها أسفا | حتى تجف دموعي في مآقيها | |
| كان التغزل في جيران ذي سلم | واليوم قد كثرت فيها مراثيها | |
| هي المدينة أمست بعد عزتها | كسيرة ، غاب عنها اليوم حاميها |
ويختتم الشاعر مقدمته الحزينة بهذا البيت :
| أشد دار خرابا لا عمار له | دار أتى هدمها من كف بانيها |
لقد أنشد «البيتي» قطعة شعرية تتردد ـ في مقاطعها ـ عبارات البكاء والحزن ، وكأنه يبحث ـ من خلال هذه العبارات ـ عن أجوبة لأسئلته الحائرة.
فهل كان الشاعر يطمح ـ من خلال هذه المقدمة البكائية ـ إلى إثارة انتباه السلطات العثمانية ، التي كانت مشغولة بهمومها الخاصة عن مثل هذا الوضع السيىء ، الذي أصبح المجتمع المدني يعايشه طيلة قرن كامل من الزمن؟ أم أن الشاعر الذي كان يعرف ـ مسبقا ـ بموقف السلطات المحلية وغيرها ، البعيد ـ كما يصوره الشاعر ـ عن أي سمة من سمات التعاطف والتجاوب مع آلام المواطن ، الذي كان يصطلى ـ وحده ـ بآثار تلك المشاكل الاجتماعية ، والتي عملت على إضعاف نفسيته ، وأبعدته عن دائرة العمل والانتاج.
فكان ـ عليه ـ أي على الشاعر ـ أن يبحث عن القارىء ، أو المستمع ، خارج إطار السلطة ، ذلك الفرد المسلم الذي كانت تفصله