المدينة المنوّرة بين الأدب والتاريخ - الدكتور عاصم حمدان علي حمدان - الصفحة ٢٧ - ـ شعراء المدينة المنورة والشعر الملحمي في القرن الثاني عشر الهجري (٣)
| وأين تلك من الدار التي شرفت | على الممالك إعظاما وتنزيها | |
| ما أحوج الأرض للفتح الجديد فقد | عم البلا وطغى طوفان عاصيها | |
| من باب مصر إلى بصرى إلى عدن | إلى العراق يمانيها وشاميها | |
| ومن سواكم وعين الناس ترقبكم | قد وجهوا لكم الآمال توجيها | |
| بخدمة المصطفى أسلافكم شرفت | على الملوك ، وهناها مهنيها | |
| تميمة علقت في جيد دولتكم | تذب عنها أعاديها وتحميها | |
| عضوا عليها وصونوها ، فإن سقطت | تفزعت ، وغدت لا شىء يشفيها | |
| وإن تروا حادثا في الدهر أو قلقا | من العدا فهو من عقبى تناسيها |
لم يختم الشاعر قصيدته إلا بعد أن باح لنا بتلك الأحاسيس الرقيقة ، التي تحملها نفسه عن البلد الذي أحب ، ووضع ـ أمامنا ـ كل تصوراته لما يجب أن يكون عليه مسؤولية الحاكم من حيث التيقظ والقوة حتى لا تفقد الدولة هيبتها ، وتصبح مطمعا لأعدائها الذين يتربصون بها ، وهو ما حدث بعد أكثر من قرن من الزمن ، عند ما تقاسم الإفرنج ميراث الدولة العثمانية ، وكان ذلك نتيجة طبيعية للتساهل والتغافل ، الذي صاحب امتداد الدولة في مناطق كثيرة ومتباعدة.
ولم يفرغ السيد «البيتي» من ملحمته إلا بعد أن سكب بين سطورها نفسا شعريا جميلا ، قوامه موهبة الشاعر القوية. وثقافته التراثية الواسعة. ويأتي ـ في مقدمتها ـ العبارة اللغوية ، التي وفّق في تطويعها لتكون وسيلة نطل ـ من خلالها ـ على أحداث التاريخ ، دون أن نفقد استمتاعنا بروائها الشعري ، وسوف نفرغ لدراسة ذلك في الحلقة القادمة ـ إن شاء الله ـ عند دراسة البناء الفني لقصيدة الملحمة.