المدينة المنوّرة بين الأدب والتاريخ - الدكتور عاصم حمدان علي حمدان - الصفحة ٢٤ - ـ شعراء المدينة المنورة والشعر الملحمي في القرن الثاني عشر الهجري (٣)
المسافات عن هذه الأرض المقدسة ، ولكنها تعيش في وجدانه ، ذلك الوجدان ، الذي تغذى بأحاديث المصطفى ـ ٦ ـ الداعية إلى احترام قدسيتها ، وشد الرحال إلى مسجدها ، وعدم التورط في إيذاء أهلها.
ولعل الشاعر نجح في إيصال صوته ـ عبر هذه القرون الطويلة ـ إلينا وتبقى مصداقية ما كان يريد أن يبلغه بصوته الشعري أمرا آخر يحتاج منا إلى البحث عن قرائن أخرى تؤيده أو تنقضه ، وخصوصا أن الشاعر يشير ـ في ملحمته ـ إلى استخدام جماعات القتال للحرم النبوي الشريف ، كمنطلق لهذه الحرب الآثمة التي يبدو أنها لم تحترم مقتضيات المكان والزمان.
يقول الشاعر في ذلك :
| لا جمعة ، لا صلاة ، لا أذان بها | إلا البنادق ترمى في نواحيها | |
| فصاحت الناس شرع الله وابتدروا | إلى الخصومة قاصيها ودانيها | |
| وبادروا مجلس القاضي لينظر في | فصل القضا ولنار الحرب يطفيها | |
| فصدر الحاكم الشرعي نحوهم | رسالته تقتضى الدعوة وتحويها | |
| فلم يردوا خطابا عن رسالته | إلا الرصاص جوابا في حواشيها | |
| وترسوا مسجد الهادي ، وثار به | بين الفريقين حرب لست أحكيها | |
| فيا لها زلة منهم وفاقرة | جاءت على رغم مفتيها وقاضيها |
لقد طغى صوت الحرب على صوت العقل والحكمة ، فلم يستمع المحاربون إلى قول الشرع في القضايا ، التي كانت سببا في ذلك القتال ، الذي احتدم ، وخلف وراءه دماء تراق ، ونفوسا تتألم.
بل كان على المجتمع ـ أيضا ـ أن يقع تحت تأثير طائلة النزوات الشخصية المدفوعة بإغراءات السلطة ، كان على الناس أن يتفرغوا لهذه