المدينة المنوّرة بين الأدب والتاريخ - الدكتور عاصم حمدان علي حمدان - الصفحة ٢٢ - ـ شعراء المدينة المنورة والشعر الملحمي في القرن الثاني عشر الهجري (٣)
وكانت هذه المطالب سببا في نشوب القتال بين الفريقين ، وتوسعت دائرة هذا القتال لتشمل ـ في المرحلة الأولى ـ الأفراد العاديين في المجتمع ، ثم ـ في مرحلة ثانية ـ قبيلة «حرب» التي تقطن بعض المناطق المحيطة بالمدينة ، وقد اتخذت هذه القبيلة موقفا محددا من الطائفتين المتقاتلتين.
** لا بد أن يكون لمبدع القصيدة «السيد البيتي» موقف معين من الأحداث الدامية التي كان يشهدها مجتمعه ، وتمتد آثارها ـ كما ذكرنا ـ إلى الأفراد الذين لا ينتمون إلى إحدى المجموعتين المتصارعتين.
ولعل الشاعر استطاع أن يقدم ـ مدفوعا بحبه لهذا المجتمع ـ صورة حية للحالة التي أصبحت عليها «المدينة» بعد أن شوهت وجهها تلك الحروب الدامية ، ولهذا نجده يفتتح ملحمته بمقدمة يرثي بها أرض الهجرة والايمان. وهي مقدمة تتكون من ثلاثة وعشرين بيتا ، يقول الشاعر في هذه المقدمة الحزينة :
| بكى على الدار لما غاب حاميها | وجر حكامها فيها أعاديها | |
| بكى لطيبة إذ ضاعت رعيتها | وراعها بكلاب البر راعيها | |
| بكى لمن هاجروا بالكرة وارتحلوا | عنها ، وكانوا قديما هاجروا فيها | |
| واها لكربتها ، واها لغربتها | واها لجائعها ، واها لعاريها | |
| واها لحالي لما قمت أنشدها | الدار أطبق إخراس على فيها | |
| يا دمنة سلبت منها بشاشتها | وألبست من ثياب المحل باقيها | |
| وقفت فيها أعزيها لكربتها | اعجب على جلدي أني أعزيها | |
| فمن معينى بأحزان يضاعفها | على؟ من لعيوني؟ من يواسيها؟ |