الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣١٢
وقد اختلف المفسرون في المراد من الجملتين من هو؟ فقيل المراد بمن كلم الله : موسى عليهالسلام لقوله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) النساء ـ ١٦٤ ، وغيره من الآيات ، وقيل المراد به رسول الله محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم لما كلمه الله تعالى ليلة المعراج حيث قربه إليه تقريبا سقطت به الوسائط جملة فكلمة بالوحي من غير واسطة ، قال تعالى : ( ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ) النجم ـ ١٠ ، وقيل المراد به الوحي مطلقا لان الوحي تكليم خفي ، وقد سماه الله تعالى تكليما حيث قال : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب الآية ) الشورى ـ ٥١ ، وهذا الوجه لا يلائم من التبعيضية التي في قوله تعالى : منهم من كلم الله.
والاوفق بالمقام كون المراد به موسى عليهالسلام لان تكليمه هو المعهود من كلامه تعالى النازل قبل هذه السورة المدنية ، قال تعالى : ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه إلى أن قال : قال يا موسى : ( انى اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) الاعراف ـ ١٤٣ ، وهي آية مكية فقد كان كون موسى مكلما معهودا عند نزول هذه الآية.
وكذا في قوله : ورفع بعضهم درجات ، قيل المراد به محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم لان الله رفع درجته في تفضيله على جميع الرسل ببعثته إلى كافه الخلق كما قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا كافه للناس ) السباء ـ ٢٨ ، وبجعله رحمة للعالمين كما قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الا نبياء ـ ١٠٧ ، وبجعله خاتما للنبوة كما قال تعالى : ( ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) الاحزاب ـ ٤٠ ، وبإيتائه قرآنا مهيمنا على جميع الكتب وتبيانا لكل شيء ومحفوظا من تحريف المبطلين ، ومعجزا باقيا ببقاء الدنيا كما قال تعالى : ( وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ) المائدة ـ ٤٨ ، وقال تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) النحل ـ ٨٩ ، وقال تعالى : ( إنانحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) الحجر ـ ٩ ، وقال تعالى : ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن ياتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) الاسراء ـ ٨٨ ، وباختصاصه بدين قيم يقوم على جميع مصالح الدنيا والآخرة ، قال تعالى : ( فأقم وجهك للدين القيم ) الروم ـ ٤٣ ، وقيل المراد به ما رفع الله من درجة غير واحد من الانبياء كما يدل عليه قوله تعالى في نوح : ( سلام على نوح في العالمين ) الصافات ـ ٧٩ ، وقوله تعالى في ابراهيم عليهالسلام : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات