الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٤١٥
على ذلك بما ذكره من اختلال حركاتهم وفساد النظم في أعمالهم. فالمصير إلى ما قدمناه.
قوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا انما البيع مثل الربا ، قد تقدم الوجه في تشبيه البيع بالربا دون العكس بأن يقال : إنما الربا مثل البيع فإن من استقر به الخبط والاختلال كان واقفا في موقف خارج عن العادة المستقيمة ، والمعروف عند العقلاء والمنكر عندهم سيان عنده ، فإذا أمرته بترك ما يأتيه من المنكر والرجوع إلى المعروف أجابك ـ لو أجاب ـ أن الذي تأمرني به كالذي تنهاني عنه لا مزية له عليه ، ولو قال : ان الذي تنهاني عنه كالذي تأمرني به كان عاقلا غير مختل الادراك فإن معنى هذا القول : أنه يسلم أن الذي يؤمر به أصل ذو مزية يجب اتباعه لكنه يدعي ان الذي ينهي عنه ذو مزية مثله ، ولم يكن معنى كلامه إبطال المزية وإهماله كما يراه الممسوس ، وهذا هو قول المرابي المستقر في نفسه الخبط ، إنما البيع مثل الربا ، ولو أنه قال : ان الربا مثل البيع لكان رادا على الله جاحدا للشريعة لا خابطا كالممسوس.
والظاهر ان قوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا انما البيع مثل الربا حكاية لحالهم الناطق بذلك وان لم يكونوا قالوا ذلك بألسنتهم ، وهذا السياق أعني حكاية الحال بالقول ، معروف عند الناس.
وبذلك يظهر فساد ما ذكره بعضهم : أن المراد بقولهم : انما البيع مثل الربا نظمهما في سلك واحد ، وإنما قلبوا التشبيه وجعلوا الربا أصلا وشبهوا به البيع للمبالغة كما في قوله:
|
ومهمه مغبرة أرجائه |
|
كأن لون أرضه سمائه |
وكذا فساد ما ذكره آخرون : إنه يجوز ان يكون التشبيه غير مقلوب بنائا على ما فهموه : ان البيع إنما حل لاجل الكسب والفائدة ، وذلك في الربا متحقق وفي غيره موهوم. ووجه الفساد ظاهر مما تقدم.
قوله تعالى : وأحل الله البيع وحرم الربا ، جملة مستأنفة بنائا على ان الجملة الفعلية المصدرة بالماضي لو كانت حالا لوجب تصديرها بقد. يقال : جائني زيد وقد ضرب عمرا ، ولا يلائم كونها حالا ما يفيده أول الكلام من المعنى ، فإن الحال قيد لزمان عامله وظرف لتحققه ، فلو كانت حالا لافادت : أن تخبطهم لقولهم انما البيع مثل