الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٨٤
المالية والثروة والقنية ، والطريق إلى ذلك انفاق الافراد مما اقتنوه بكد اليمين وعرق الجبين ، فإنما المؤمنون إخوة ، والارض لله ، والمال ماله.
وهذه حقيقة اثبتت السيرة النبوية على سائرها افضل التحية صحتها واستقامتها في القرار والنماء والنتيجة في برهة من الزمان وهي زمان حياته عليهالسلام ونفوذ امره.
وهي التي يتأسف عليها ويشكو انحراف مجريها أمير المؤمنين علي عليهالسلام إذ يقول : وقد اصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا ، والشر فيه إلا اقبالا ، والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا ، فهذا أو ان قويت عدته وعمت مكيدته ـ وأمكنت فريسته ، اضرب بطرفك حيث شئت هل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا؟ أو غنيا بدل نعمة الله كفرا؟ أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا أو متمردا كأن باذنه عن سمع المواعظ وقرا؟ ( نهج البلاغة ).
وقد كشف توالي الايام عن صدق القرآن في نظريته هذه ـ وهي تقريب الطبقات بإمداد الدانية بالانفاق ومنع العالية عن الاتراف والتظاهر بالجمال ـ حيث ان الناس بعد ظهور المدنية الغربية استرسلوا في الاخلاد إلى الارض ، والافراط في استقصاء المشتهيات الحيوانية واستيفاء الهوسات النفسانية ، وأعدوا له ما استطاعوا من قوة ، فأوجب ذلك عكوف الثروة وصفوة لذائذ الحياة على ابواب اولي القوة والثروة ، ولم يبق بأيدي النمط الاسفل الا الحرمان ، ولم يزل النمط الاعلى يأكل بعضه بعضا حتى تفرد بسعادة الحياة المادية نزر قليل من الناس وسلب حق الحياة من الاكثرين وهم سواد الناس ، وأثار ذلك جميع الرذائل الخلقية من الطرفين ، كل يعمل على شاكلته لا يبقي ولا يذر ، فأنتج ذلك التقابل بين الطائفتين ، واشتباك النزاع والنزال بين الفريقين ، والتفاني بين الغني والفقير والمنعم والمحروم والواجد والفاقد ، ونشبت الحرب العالمية الكبرى ، وظهرت الشيوعية ، وهجرت الحقيقة والفضيلة وارتحلت السكن والطمأنينة وطيب الحياة من بين النوع وهذا ما نشاهده اليوم من فساد العالم الانساني ، وما يهدد النوع بما يستقبله أعظم وأفظع.
ومن أعظم العوامل في هذا الفساد انسداد باب الانفاق وانفتاح ابواب الرباء الذي سيشرح الله تعالى أمره الفظيع في سبع آيات تالية لهذه الآيات أعني آيات الانفاق