المجالس السنيّة في مناقب ومناصب العترة النبويّة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٢٥ - الهجرة الى الحبشة
المجلس الثّامن بعد المئة
لمّا اشتدت قُريش في أذى رسول الله (ص) وأصحابه الذين آمنوا به بمكّة قبل الهجرة أمر رسول الله (ص) أصحابه أنْ يخرجوا إلى الحبشة ، وأمر جعفر بن أبي طالب أنْ يخرج معهم. فخرج جعفر ومعه سبعون رجلاً من المُسلمين حتّى ركبوا البحر ، فلمّا بلغ قُريشاً خروجُهم ، بعثوا عمرو بن العاص وعُمارة بن الوليد إلى النّجاشي ليردّهم إليهم. وقال عمرو بن العاص للنّجاشي : أيّها الملك ، إنّ قوماً منّا خالفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا ، وصاروا إليك ، فردّهم إلينا. فبعث النّجاشي إلى جعفر [واصحابه] فجاؤوا ، فقال : يا جعفر ، ما يقول هؤلاء؟ فقال جعفر : أيّها الملك ، وما يقولون؟ قال : يسألون أنْ أردّكم إليهم. قال : أيّها الملك ، سلهم أعبيدٌ نحن لهم أم أحرار؟ فقال عمرو : لا ، بل أحرار كرام. قال : فسلهم ، ألهم علينا ديون يُطالبوننا بها؟ فقال : لا ، ما لنا عليكم ديون. قال : فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها؟ فقال عمرو : لا. فقال : فما تريدون منّا؟ آذيتمونا فخرجنا من بلادكم. فقال عمرو بن العاص : أيّها الملك ، خالفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا ، وأفسدوا شبابنا وفرّقوا جماعتنا ، فردّهم إلينا لنجمع أمرنا. فقال جعفر : نعم أيّها الملك خالفناهم ؛ بعث الله فينا نبيّاً أمرنا بخلع الأنداد ، وترك الإستسقام بالأزلام ، وأمرنا بالصّلاة والزّكاة ، وحرّم الظّلم والجور وسفك الدّماء بغير حقّها ، والزّنا والرّبا ، والميتة والدّم ولحم الخنزير ، وأمرنا بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى ، ونهى عن الفحشاء والمُنكر والبغي. فقال النّجاشي : بهذا بعث الله عيسى بن مريم. ثُمّ قال النّجاشي : يا جعفر ، هل تحفظ ممّا أنزل الله على نبيّك شيئاً؟ قال : نعم. فقرأ عليه سورة مريم حتّى بلغ إلى قوله تعالى : (وَهُزّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرّي عَيْناً) فلمّا سمع النّجاشي بهذا ، بكى بُكاءً شديداً وقال : هذا والله ، هو الحقّ. فقال عمرو بن العاص : أيّها الملك ، إنّ هذا مُخالف لنا فردّهم إلينا. فرفع النّجاشي يده وضرب بها وجه عمرو ، ثُمّ قال : اسكت ، والله ، لئن ذكرته بسوء لأفقدنّك نفسك. فقام عمرو بن العاص من عنده والدّماء تسيل على وجهه ، وهو يقول : إنْ كان هذا