المجالس السنيّة في مناقب ومناصب العترة النبويّة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٧٧ - محاربة عبدالله بن هاشم المرقال وماجرى له مع معاوية وعمرو بن العاص بعد صفين
معاوية ولمْ يعرفه عمرو بن العاص ، فقال معاوية : يا أبا عبد الله ، أتعرف هذا الفتى؟ قال : لا. قال : هذا ابن الذين كان يقول في صفّين :
|
أعْورُ يبْغِي أهلَهُ مَحَلاّ |
قدْ عالجَ الحياةَ حتّى مَلاّ |
لا بُدَّ أنْ يَغُلَّ أو يُغلاّ
فقال عمرو : يا أمير المؤمنين ، هذا المحتال ابن المرقال ، فدونك الضبّ المضب ، فإنّ العصا من العصية ، وإنّما تَلد الحيّة حيّة ، وجزاء السيئة سيئة مثلها. فقال له ابن هاشم : ما أنا بأوّل رجل خذله قومه وأدركه يومه. فقال معاوية : تلك ضغائن صفّين ، وما جنى عليك أبوك. فقال عمرو : يا أمير المؤمنين ، أمكني فأشخب أوداجه على أثباجه. فقال له ابن هاشم : فهلاّ كانت هذه الشجاعة منك يابن العاص أيام صفّين ، حين ندعوك إلى النّزال ، وقد ابتلّت أقدام الرجال من نقع الجريال [١] ، وقد تضايقتْ بك المسالك ، وأشرفتَ فيها على المهالك؟ فاُعجب معاوية ما سمع من كلام ابن هاشم ، فأمر به إلى السجن ، وكفّ عن قتله ، فقال عمرو :
|
أمرتُكَ أمراً حازِماً فعَصَيْتَني |
وكانَ منَ التَّوفيقِ قتلُ ابنِ هاشمِ |
|
|
أليسَ أبوُهُ يا مُعاويةُ الَّذِي |
رَماكَ علَى جدٍّ بحزِّ الغلاصمِ |
|
|
فما بَرحُوا حتّى جرتْ منْ دمائِنا |
بصفّين أمثالِ البُحورِ الخضَارمِ |
|
|
وهذا ابنُهُ والمرءُ يُشْبهُ أصلَهُ |
سنقرعُ إنْ أبقيتَهُ سِنَّ نادمِ |
فقال ابن هاشم يجيبه :
|
معاويَ إنّ المرْءَ عَمراً أبتْ لهُ |
ضَغينةُ صَدْرٍ غِشُّها غيرُ سالمِ |
|
|
يَرى لكَ قتْلي يابنَ حرْبٍ وإنّما |
يَرى ما يَرَى عمرٌو مُلوكُ الأعاجمِ |
|
|
على أنّهُم لا يَقتلُونَ أسيرَهُمْ |
إذا أثقلَ الأعْناقَ حَملُ المغَارمِ |
|
|
وقدْ كانَ منَّا يومَ صفّين نغْزةٌ |
عليكَ جناهَا هاشمٌ وابنُ هاشمِ |
|
|
قَضى الله ُ فيها ما قَضى ثَمّة انْقَضى |
ومَا ما مَضى إلاّ كأضغاثِ حالمِ |
|
|
هي الوقعةُ العُظْمَى الَّتي تعْرفونَها |
وكلٌّ على ما قدْ مَضى غيرُ نادمِ |
|
|
فإنْ تعفُ عنَّي تعفُ عنْ ذِي قرَابةٍ |
وإنْ تَرَ قَتلي تَسْتحلُ مَحارمي |
وهكذا كانت معاملة معاوية لشيعة أمير المؤمنين (ع) بعد ما تمّ له الأمر
[١] الجريال : صبغ أحمر ، وأراد به هنا : الدّم ، تشبيهاً له بذلك الصبغ. ـ المؤلّف ـ