زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٢٦٣ - الآية ٢٢ ـ ٤٠
ذلك بالاتّفاق.
وأيضا فإنّ رؤية الحاسّة لا تتمّ إلّا باتّصال الشعاع بالمرئيّ ، والله منزّه عن اتّصال الشعاع به. على أنّ النظر لا يفيد الرؤية في اللغة ، فإنّه إذا علّق بالعين أفاد طلب الرؤية ، كما أنّه إذا علّق بالقلب أفاد طلب المعرفة ، بدلالة قولهم : نظرت إلى الهلال فلم أره ، فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول متناقضا. وقولهم : ما زلت أنظر إليه حتّى رأيته. والشيء لا يجعل غاية لنفسه ، فلا يقال : ما زلت أراه حتّى رأيته.
ولأنّا نعلم الناظر ناظرا بالضرورة ، ولا نعلمه رائيا بالضرورة ، بدلالة أنّا نسأله : هل رأيت أم لا؟
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ) شديدة العبوس. والباسل أبلغ من الباسر ، لكنّه غلب في الشجاع إذا اشتدّ كلوحه [١].
(تَظُنُ) تتوقّع أربابها (أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) داهية تكسر فقار الظهر ، كما توقّعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كلّ خير.
(كَلَّا) ردّ عن إيثار الدنيا على الآخرة. كأنّه قيل : ارتدّوا عن حبّ الدنيا واختيارها على الآخرة ، وتنبّهوا على ما بين أيديكم من الموت الّذي عنده تنقطع العاجلة عنكم ، وتنتقلون إلى الآجلة الّتي تبقون فيها مخلّدين. فذكّرهم صعوبة الموت الّذي هو أوّل مراحل الآخرة ، فقال : (إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ) إذا بلغت النفس العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال. والمراد أعالي الصدر. وإضمارها من غير ذكر لدلالة الكلام عليها.
(وَقِيلَ مَنْ راقٍ) أي : قال من حضر المحتضر من أهله بعضهم لبعض : من يرقيه ويداويه من طبيب شاف ما به من الرقية؟ أو قال ملائكة الموت : أيّكم يرقى بروحه؟ ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ من الرقيّ.
[١] كلح وجهه كلوحا : عبس وتكشّر.