نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٩
وإجاص أسود العين، لا يعتريه شيب ولا شين، كأنه كرات من العنبر، أو طليعة من الزنج تنتظر العسكر:
وإذا ما قشرته ففصوص ... صبغتها بمائها الظلماء
وخوخ ذو لونين، في بياضه وحمرته جلاء للعين:
كوجنة غادة خافت رقيباً ... فغطتها بمحمر البنان
وكمثرى لطيف الذات، حسن الصفات، في غاية اللطف والرقة، يذوب من الراحة ولا يحمل المشقة:
كأنه في شكله ولونه ... وطعمه قوالب من سكر
ومشمش تقمص بالشفق، وتدرع بالورق، ككرات من العقيان، أو بنادق ضمخت بالزعفران:
وكأنما الأفلاك من طرب به ... نثرت كواكبها على الأغصان
وتوت خمري اللون، ليس له صبر على الصون مزمل بدمائه، لم يبق فيه غير ذمائه:
يكاد بأن يفنى إذا ما لمسته ... فأرحمه من سائر الثمرات
وعُناب نقي الإهاب، كأنه قلوب الأطيار، أو خرز ركب من النضار:
أقراط ياقوت تحركها الصبا ... أو أنمل بالأرجوان مطرفة
وفستق شريق كأنه عند التحقيق والتحديق:
زبرجدة ملفوفة في حريرة ... مضمنة دراً مغشى بياقوت
أو مسرور تبسم، أو مأسور فتح فاه ليتكلم:
والقلب ما بين قشريه يلوح لنا ... كألسن الطير، من بين المناقير
ولوز قلوبه مؤتلفة، وأثوابه مختلفة، لطيف المعاني، له بها جنة من الجاني كأنه خز بزه رفيع، أو عذار جديد شرط الخليع:
أو سندس أخضر من تحته صدف ... أحسن به صدفاً في ضمنه درر
وجوز جسمه من العرعر، وقميصه من الزمرد الأخضر، صحيح التدوير، يسقط على الخبارلا على الخبير:
والجوز مقشور يروق كأنه ... لوناً وشكلاً مصطكى ممضوغ
وصنوبر يقري الضيف، لا يعرف رحلة الشتاء والصيف، كأنه طيور على ذرا القصب، أو كافور ضمخ بالمسك المنتخب:
عقد لآل مشرق لونه ... في جوف أدراع من العود
وأترج حسن ذرعاً وزرعاً، وطاب أصلاً وفرعاً، فيه روح وريحان، وهو للأغصان بمنزلة التيجان:
أباريق من الذهب المصفى ... وقد سقطت عراها بالعراء
ونارنج بهيج، طيب زهره أريج، كأنه مصابيح، تهزها أيدي الريح، أو عذراء صبغت بالورس إزارها، أو وجنه عاشق أضرم الوجد نارها:
أو جذوة حملتها كف قابسها ... لكنها جذوة معدومة اللهب
وليمون كأنه بنادق من لجين، أودعت غلفاً من العين مخافة العين:
يشبهه بيض الدجاج وقد ... لطخه العابث بالزعفران
وزيتون شجرته ميمونة، وأسرار أنواره مكنونة:
بدا لنا كأعين ... شهل وذات دعج
مخضره زبرجد ... مسوده من سبج
وخرنوب كقرن ظبي معطوف، أو هلال عاجله الخسوف:
وكأنه مذ لاح في أوراقه ... أصداف در ضمنها مرجان
ونبق جلبابه معصفر كأنه كهربا أصفر:
أو عدة من شنوف ... قد علقت بالغصون
وزعرور كالياقوت، مسك نكهته مفتوت:
جلاجل مخضوبة عندماً ... أو خرز أخرطت من عقيق
وبأرضها الباقلاء الذي فاح نشره، وصدق خَبر خُبره يبرز له من الكمائم، نور يحكي بلق الحمائم، كأنه لؤلؤ يقق، متلفع بمروط السرق أو خواتم من فضة، أو مخالب جوارح منقضة:
فصوص زمرد في غلف در ... بأقماع حكت تقلم ظفر
والخشخاش الذي تضيء بنوره الأغباش. أعلام تميل مع الرياح، أو أكاليل على رؤوس الرماح:
حبلى تضم أُطيفالاً إذا درجوا ... رأيت شملهم المنظوم منشورا
والكتان الذي رقت حواشي شققه وراقت محاسن أخضره وأزرقه، وامتدت رياطه وحبره، وتبلبلت أصداغه وطُرره:
إذا درجت فيه الرياح تتابعت ... ذوائبه حتى يقال غدير
وفيها من النبات ما يطول إليه بناني، ويقصر عن حصر وصف بعضه لساني. يسقى بماء واحد، ويبطل قول المعترض والجاحد، ولعمري لقد بلغتني ما أملته من جلاء قلبي المعمود، وأذكرتني ما لم أكن ناسياً من فنائها وبقاء جنة الخلود، فإنها - وإن طاب جناها، وأوقفت النفوس على حلي من سناها - مؤذنة بالتلاشي والرحيل، " قل متاع الدنيا قليل ".
فلما قضيت منها وطري ثنيت عنها عنان نظري، ومضيت ذاكراً محاسن صفتها وموصوفها، شاكراً سرو سرورها وعرف معروفها: