نسيم الصبا

نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٦

وقال الشتاء: أنا شيخ الجماعة، ورب البضاعة، والمقابل بالسمع والطاعة. أجمع شمل الأصحاب وأسدل عليهم الحجاب، وأتحفهم بالطعام والشراب. ومن ليس له بي طاقة أغلق من دونه الباب. أميل إلى المطيع، القادر المستطيع، المعتضد بالبرود والفرا المستمسك من الدثار بأوثق العرا، المرتقب قدومي وموافاتي، المتأهب للسبعة المشهورة من كافاتي. ومن يعش عن ذكري ولم يمتثل أمري، أرجفته بصوت الرعد، وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد، وسرت إليه بعساكر السحاب، ولم أقنع من الغنيمة بالإياب. معروفي معروف، ونيل نيلي موصوف، وثمار إحساني دانية القطوف. كم لي من وابل طويل المدى وجود وافر الجدا، وقطر حلا مذاقه، وغيث قيد العفاة إطلاقه، وديمة تطرب السمع بصوتها، وحيا يحيي الأرض بعد موتها، أيامي وجيزة، وأوقاتي عزيزة، ومجالسي معمورة بذوي السيادة، مغمورة بالخير والمير والسعادة. نقلها يأتي من أنواعه بالعجب، ومناقلها تسمح بذهب اللهب، وراحتها تنعش الأرواح، وسقاتها بجفونهم السقيمة تفتن العقول الصحاح. إن ردتها وجدت مالاً ممدودا، وإن زرتها شاهدت لها بنين شهودا:
وإذا رميت بفضل كاسك في الهوى ... عادت عليك من الدقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عوداً وحرق عودا
فلما نظم كل منهم سلك مقاله، وفرغ من الكلام على شرح حاله، أخذ الجماعة من الطرف ما يأخذ السكر، وتجاذبوا أطرف مطارف الثناء والشكر، وظهرت أسرار السرور، وأنشرت صدور الصدور، وهبت قبول الإقبال، وأنشد لسان الحال:
وماذا يعيب المرء في مدح نفسه ... إذا لم يكن في قوله بكذوب؟
ثم انفض المجلس وحل النطاق، وتفرق شمل أهله وآخر الصحبة الفراق.

الفصل السادس
في البحر والنهر
هزتني رياح الأمل البسيط، إلى امتطاء ثبج البحر المحيط. فأتيت سفينة يطيب للسفر مثواها، وركبت فيها " بسم الله مجراها ومرساها "، موقناً بأن المقدور صائر، معرضاً عن قول الشاعر:
لا أركب البحر أخشى ... علي منه المعاطب
طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب
يالها سفينة، على الأموال أمينة، ذات دسر وألواح، تجري مع الرياح، وتطير بغير جناح، وتعتاض عن الحادي بالملاح. تخوض وتلعب، وترد ولا تشرب. لها قلاع كالقلاع وشراع يحجب الشعاع، وسكينة وسكان ومكانة وإمكان، وجؤجؤ وفقار، وأضلاع محكمة بالقار وجسم عار من الفؤاد، وهو في عين الماء بمنزلة السواد، بعيدة ما بين السحر والنحر، من أحسن الجواري المنشآت في البحر. معقود بنواصيها الخير كالخيل لا تمل من سير النهار ولا من سرى الليل:
ما رأى الناس من قصور على الما ... ء سواها تسير سير القداح
كأنها وعل ينحط من شاهق، أو عرباض سابق يحثه سائق، أو عقرب شائلة، أو عقاب صائلة. أوغراب أعصم، أو تمساح أو أرقم، أو ظليم ثفر في الظلام، أو جواد فر مستنكفاً من صحبة الأنام. حاكمها عادل في حكمه، عارف بنقض أمرها وبرمه، يهتدي بالنجوم، ويبتدىء باسم الحي القيوم، يبرز من نواتيها في جنود، يشمل إحسانهم أهلها أيقاظاً وهم رقود. يتأنفون فيما يعمرون، ويفعلون ما يؤمرون:
يكثرون الصياح حتى كأن الس ... فن تجري من خوف ذاك الصياح
فبينما نحن من البحر في قاموسه، كتب الجو حروف الغيم في طروسه، وثارت ريح عاصف، يتبعها رعد قاصف. فمالت بنا الفلك واضطربت، ودنت شفتها من رشف الماء واقتربت، واستمرت ترفع وتخفض، وتقرب وترفض، وتعلو على الأوتاد، وتهيم في كل واد، وتحوم وتحول، وتجود وتجول، وتضرم في الكبود نار ناجر، إلى أن بلغت القلوب الحناجر:
ألا فارجه واخشه إنه ... هو البحر فيه الغنى والغرق
ثم نظر إلينا من لا تخفى عليه السرائر، وأمر الجارية بحمل العبيد إلى بعض الجزائر، فلم ندر إلا ونحن تجاه جزيرة، تسر النفوس بمحاسنها الغزيرة، فانحدرت ماضياً إلى بينها، نائياً عن السفينة وساكنيها، فوجدتها مخضرة الأفنان، مخضلة الكثبان، بها من الياقوت ما يرجع خاسئاً مناويه، ومن الأشجار ما يحمل الفواكه والأفاويه. وبين رياضها نهر شديد الخصر، أرضه ذهب وحصباؤه درر، وأمواجه عكن وداراته سرر:
عذب إذا ما عب منه ناهل ... فكأنه من ريق خود ينهل