نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٣٢
أيها المتطول بأياديه، المتفضل بما غمر من غواديه، الجائد بأمواله، الزائد نيل نواله، المرتدي بأثواب الجلال، المبتدىء بالعطاء قبل السؤال، لو استطعت تمثيل حمدك ومدحك، واعتدادي بإفضالك العميم ومنحك، لأبرزته في صورة تروق النواظر، وأفرغته في قالب يسر القلوب والخواطر. لقد أترعت مواردي ومناهلي، وحملتني من حقائب الجود ما أثقل كاهلي، وأرحت سري بهبات هباتك، وقطعت أملي إلا من موارد صلاتك:
كم من يد بيضاء قد أسديتها ... تثني إليك عنان كل وداد
شكر الإله صنانعاً أوليتها ... سلكت مع الأرواح في الأجساد
إلام تنشر علي ملابس العوارف؟ وحتام تهدي إلي نفائس اللطائف؟ وتلحظ بعيون العناية، وتمد ظل الرعاية، وتصل أسباب الصنائع، وتأتي من الإحسان بما عهده محفوظ، ونشره ضائع، من غير خدمة سابقة، ولا حرمة لهدى العواطف سائقة.
طالما غنيت بالغناء من خيرك، وألهمتني لهاك عن الاجتماع بغيرك، وقابلتني عطاياك بجبرك، ومنحتني سماحتك من كنزها الوافر بخالص تبرها:
فلأشكرنك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها
صيرت لساني كليلاً بعد حدته، وأعدت قلمي جافاً بعد غزارة مدته. فها أنا لا أطيق أداء بعض حقك، ولا يخرجني فرط برك عن عهدة رقك. وكلما فرغت من شكر يد كثر مددها، وصلتها بأياد جزيلة أعد منها ولا أعددها. فلا تحدث لي بعدها زيادة، وارفق بعبدك فقد ملك العجز قياده:
أنت الذي قلدتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
وماذا عسى مادحك أن يقول، يامن فتن بحسن مناقبه العقول؟ المتكلم يقصر عن وصفك باعه، والبليغ يعجز عن حصر فضلك يراعه. والعالم يغرق في بحرك، والناظم يلقط جواهر نثرك، على أن كلاً منهم لو استعار الدهر لساناً، واتخذ الريح في نقل أخبارك ترجماناً، أدركه الملال ولم يصل إلى غايتك، وأعياه الكلال دون الوقوف عند نهايتك. فالله يتولى من مكافأتك ما هو أبلغ من شكر الناس، ويمتع الأولياء ببقاء ذاتك التي جلت عن النعت والقياس.
الفصل السابع والعشرون:
في الهناء
صحبني شخص من الكتاب، له رفيق يدعي معرفة الآداب. فجاءني يوماً من " ديوان النظر " قائلاً: كان رفيقي غائباً ثم حضر، وقصدي إملاء شيء في هذا المعنى، ولست أعرف لروض الأدب سواك مزناً. فقلت له: اكتب: ورد البشير بما أقر العيون، وسكن هواجس الظنون، وشرح الصدور وأبهجها، وألجم خيل السرور وأسرجها، من إياب مولانا مصحوباً بالسلامة، مالكاً قياد الفضل وزمامه. فتلقاه العبد بمزيد القبول، واعترف بطيب عرفه الضائع قبل الوصول:
وتقاسم القوم المسرة بينهم ... قسماً فكان أجلهم حظاً أنا
ولم يزل مدة غيبته مستديماً لذكره، مشاهداً له وإن شط المزار بعين فكره، متشوقاً إلى أيامه التي راق نعيمها، مرتقباً نجوم لياليه التي رق كخلقه نسيمها:
ليالي لم نحذر حزون قطيعة ... ولم نمش إلا في سهول وصال
إلى أن جمع الله به شتات الأمور، وألف بمقدمه من الأنس كل نفور، وأعاد بدره إلى منازل سعوده، وفطر قلب حسوده بصعدة صعوده. فله الحمد على نعمه التي لا تعد، وكرمه الذي تجاوزت سيوفه غاية الحد. وهو المسؤول أن يعيذه من شر من حسد وطعن، ويكلأه بعينه التي لا تنام إن أقام أو ظعن.
ثم إنه وافاني بعد مدة، فحمل يراعه ومن النقس مده، وقال: إن رفيقي قد أبل من المرض، وما يخفى عن مثلك - أيدك الله - سر الغرض. فقلت له اكتب: الحكمة أطال الله بقاءك، وأدام صحتك وشفاءك، تقتضي المنح والمحن، وتوجب الفرح والحزن، ليتذكر أولو الألباب، وتتأكد أسباب الثواب. ولقد منعني لذيذ الرقاد ما حصل لمولاي من الافتقاد، وأسكرني بخمر التحير، ما حصل لمزاجه اللطيف من التغير. يالها غفلة من الدهر صدرت، وهفوة على غرة من الأمل ظهرت، حيث أزعج كريم جسده، وعلا على ذخر الملك وسنده، وارتقى من الرياسة إلى رأسها، وامتطى ذروة كاشف غمها ومزيل بأسها، وبالجملة فما اعتل إلا لأنه كالنسيم لطفاً، وما جاورته الحمى إلا أنه كالأسد وصفاً:
لا تخش من ألم ألم مودعاً ... يامن بسيط العمر منه طويل