نسيم الصبا

نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٢٧

ثم إنهم جدوا في الرحيل وتمسكوا بالنص واتبعوا الدليل. إلى أن وصلوا إلى بلد الأعداء " سيس "، وأرهبوا بجمعهم الراهب والقسيس. فسارعوا إلى النزول، وغصت بهم الوعور والسهول. وصابحوهم بما أشقى مساءهم. وناوحوهم بما دمرهم وساءهم. ونادوهم بألسنة الحمام، وناجوهم برسائل السهام، ونصبوا آلات الحصار لكسرهم، وأعدوا ما استطاعوا من القوة لقتلهم وأسرهم، وأحاطوا بأسوار المدينة، وصدموها بمن في آذانهم وقر عن الوقار والسكينة. فكم تكن إلا ساعة من نهار، حتى تحرك البناء وانهار، وسال السور بعد أن ماج، وهوت بكواكب المنجنيق منه الأبراج. فدخلوا البيوت من غير الأبواب، وجرعوا أعداء الدين مذاب العذاب، وحصل أهل الشرك في شرك القبضة، وعجزوا عند قص أجنحتهم عن النهضة، وتمشت في مفاصلهم حميا السيوف، وصفاح الرغام وجوههم على رغم الأنوف:
لله در فوارس كم أقبلوا ... نحو الحروب، ونافسوا في وصلها
قوم إذا دخلوا معالم قرية ... لعداتهم جعلوا أعزة أهلها
ثم عاجوا لاقتلاع قلعتها، ومالوا إلى محو أسطار بقعتها. فقدموا إليها النقابة، وحسروا عن وجه الاجتهاد نقابه. وباتوا يطلقون فيها ألسنة المعاول، ويعرضون عن رأي من قال: " وأين الثريا من يد المتناول " فأصبحت على الخشب معلقة، ثم عادت بذات الوقود محرقة. فلم تمض عليها إلا لمحة غافل، حتى صارت الأعالي منها أسافل، وأحيط بطاغيتهم وفرسانه، وقبض على أعوانه وأعيانه. ونزعت التيجان، ونكست الصلبان. وبل غليل السيف، وارتفع الحتف والحيف، وهدمت البيع والكنائس، واستخرجت الذخائر والنفائس، وأسر النساء والأطفال، وبلغ الطالب من الأموال منتهى الآمال. وأعز الله جنده، وأنجز من التأييد وعده، ومن بعوائد ألطافه الخفية، وجعل هام الملحدين لحوداً للمشرفية. وما النصر إلا من عنده وهو المتصدق بجزيل رفده على عبده.
ثم إن العساكر عادوا إلى أوطانهم غانمين سالمين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.

الفصل الثالث والعشرون:
في رمي البندق
برزت يوماً مع رفيق رقيق، يسر بمنادمته سر الصديق. لا يخرج عن الواجب. ولا يحجبه عن ذكر الجليل حاجب. رفيع المقام، صادق الكلام. ينطق بالحكمة وفصل الخطة، وهو لدائرة الفضل بمنزلة النقطة. يجتني من الرياض أزهار الرياضة، ويعتني بما يشرح الصدر ويزيل انقباضه. ويحب معالي الأمور، ويتقدم إلى كل مقدمة تنتج السرور. ويتمسك بما كان داعياً إلى المروة، باعثاً على امتثال: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " قد ألف لخطبة الطير كل خطب مهول، واعتاد خوض المنايا فأيسر ما تمر به الوحول، إلى روضة أنيقة تهدي الأنق، وتضيء في جوانبها وجه الملق. والغيم ممدود الرواق، والطل دمعه يراق، والجو مسكي الإهاب، والشمس قد توارت بالحجاب.
والأرض وشي والنسيم معنبر ... والماء راح والطيور قيان
فنزلنا بفنائها، وشممنا الأرج من أرجائها، واجتلينا محاسن أزهارها، وطربنا لسماع نغمات أطيارها، وقبلنا هناتها وهباتها، ورعينا على كلا الحالين كلأها مع نباتها، ورأينا بها عصبة من الرماة، وفرقة تفرق منهم الأبطال والكماة فألمنا بحضرتهم، وانتظمنا في سلك زمرتهم، فلما أنست بذراهم، وآنست نار قراهم، شاهدت قوماً نفوسهم أبية، ومقاماتهم علية. في وجوهم سيما القبول، ومعهم وصول بالوصول، يرعون حق الذمام، ويقتفون آثار الكرام، ويرفلون في حلل العفاف، ويسلكون سبل الإنصاف، ويحفظون الحديث عن القديم، ويثبتون الصحيح وينفون السقيم، ويوقرون الكبير، ويرضون من العيش باليسير، ويعتمدون حسن الوفاق، مع الرفاق، ويعرضون عن أهل العرض لعلمهم أن ما عندهم ينفد وما عند الله باق.
أهل الصبابة إن قالوا وإن سمعواوللسماعكما للقولإعراب
كل يحاول ما يبغي الفلاح به ... فالمبتغى واحد، والناس أضراب
فلو رأيتهم وقد أتوا إلى الخطة والتفوا، وحملوا غير متحاملين واصطفوا، وخطروا في تلك المطارف، يؤمهم القديم إلى جهة المواقف، مسرعين إلى الأخذ بالثارات، متدرعين الغبار لشن الغارات:
لعاينت قوماً في مقامات عزهم ... وقوفاً، وكلاً منهم قد ترسما
جفوا في الظلام النوم كي يتقدموا ... ومن سهر الليل الطويل تقدما