نسيم الصبا - ابن حبيب الحلبي - الصفحة ٢٥
فإن كان زهراً فهو صنع سحابة ... وإن كان دراً فهو من لجة البحر
بأيديهم أقلام تختلس بلطفها الأحلام. صافية الجواهر، زاهية الأزهار، لينة الأعطاف، ناعمة الأطراف. تبكي وهي مبتسمة، وتسكت وهي بما يطرب السمع متكلمة. قد اعتدلت قدودها، وأشرقت في سماء البراعة سعودها. أسنتها مرهفة، ومطارفها مفوقة. تجتهد في خدمة الباري، وتبدي من دررها ما يفضح الدراري. تميس في وشي أبرادها، وتشرح الصدور بعذوبة إبرادها. نشأت على شطوط الأنهار وتعلمت اللحن من إعراب الأطيار. طويلة الأنابيب، تسلب القلوب بحسن الأساليب. تدهش الناظر وتخجل العامل، ولا ترضى بامتطاء غير الأنامل. الشجاعة كامنة في مهجتها، والفصاحة جارية على لهجتها. تبهر بالنضارة نواظر النهار، وتطرز بالليل أردية النهار. إن قالت لم تترك مقالاً لقائل، وإن صالت رجعت السيوف مستترة بأذيال الحمائل. سجدت للطرس، فرفعت إلى أعلى الرتب، وحلت وشببت فلا غرو إذا سميت بالقصب.
قلم يفل الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلت من الأغماد
وهبت له الآجام حين نشا بها ... كرم السيول وصولة الآساد
يكرع من دواة حالكة الحياض، مشرقة الأدواح والرياض، جنية الأثمار مطعمة الأشجار. ريقها رائق، ونيل نيلها دافق. تكشف غطاءها عن كل معنى أنيق، وتفتح فاها بكسر العدو وجبر الصديق. شرفها ليس فيه نزاع، وسقطها من أنفس المتاع. تحنو على أولادها طول المدى، ثم تقط رؤوسهن - ولا ذنب لهن - بحد المدى. سمت إلى المعالي بنفسها، وأعارت المسك السحيق بنقسها. ترشد بنور جمالها، وتنشد بلسان حالها:
إن السعادة، حيث كنت، مقيمة ... والبحر أخبار الندى عني روى
كم من عليل مقاصد أبرأته ... فأنا الدواة حقيقة وأنا الدوا
لله أطراسها التي أضاءت بمدادها، وأشبهت عيون العين ببياضها وسوادها، وانطوت المحاسن تحت رق منشورها، وصدحت حمائم البلاغة على أغصان سطورها. صحائف تنوب عن الصفائح، وقراطيس تزف إلى الأسماع عرائس القرائح. ألبسها الحبر أثواباً من الحير، ودبجها صواب الفكر لا صوب المطر. كم حازت من در منظوم، وعلم لفظ بوشي المعاني مرقوم. وفقر تفتقر إليها أجياد الحسان، وغرر كلم تذهب العقول بسحرها وإن من البيان:
كتاب في سرائره سرور ... مناجيه من الأحزان ناجي
كراح في زجاج بل كروح ... سرت في جسم معتدل المزاج
فاجتهد أعزك الله في طلابها، واحرص على الدخول في زمرة أربابها، وتمسك بأذيال بنيها، تجد جواداً أو نبيلاً أو نبيهاً. وحسبهم شرفاً أن الله تعالى نوه بذكرهم في العالمين، ووصف الكتبة بالحفظ والكرم فقال: " وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ".
الفصل الثاني والعشرون:
في الحرب والسلاح
منع الجزية أهل الصليب، في عام عاموا منه في بحر عجيب، فأشار الأمير بالتأهب للنزال، وأمر بتحريض المؤمنين على القتال. فأخذوا في الاستعداد. وجدوا في تحصيل الجياد. فأحببت الدخول في زمرة المجاهدين، ورفضت قاعدة الذين قالوا: " ذرنا نكن مع القاعدين ". فلما كملوا عدداً وعُدداً وتحروا في أهبتهم رشداً، ساروا إلى جهة العدو المخذول، وطيور السعد تحوم عليهم ولا تحول. ياله من جحفل تحفل بالشوس، وكتيبة تميل إلى خضرتها النفوس، وجيش عرمرم، وخميس لهب أسلحته يتضرم، وعسكر جرار، وفيلق يتلو: " قل لن ينفعكم الفرار ". يهول المنظر، مثار العثير. قوي القلب والجناحين، كم ليدها الطولى من جناحين. يدني بعيد الآجال، وينفر حتى الوعل والآجال. النصر من جملة آياته، والظفر معقود براياته:
محلى بالسيوف وبالعوالي ... وبالحلق الموانع والقسي
وفيه عيون درع ناظرات ... إلى الأعداء من طرف خفي
ببحر الحرب منه سابحات ... تملك حسنها قلب الكمي
ألا لا تخش فيه ليل نقع ... فكم قد حاز من وجه مضي
ينطوي على غضنفر كاسر، وعقاب يصول من النصال بمناسر، وذفر مشيع، وباسل عمر خصمه مضيع، وبطل ثبت الغدر، وأحمش لامنجا منه ولا وزر وشهم أيام عداه مدلهمة، وقدم صمة، وما أدراك ما الصمة؟
من كل مرهوب السطا رحب الخطا ... عرد المطا ليث تأبط ارقما