مبادئ الإيمان - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٣ - (درس ٧) المعاد الجسماني
و على فضل فيضه نعتمد و نقول حيث ان من الواضح المعلوم بل المحسوس لكل ذي حسن ان كل شخص من البشر مركب من جزءين الجزء المحسوس و هو البدن العنصري الذي يشاهد بعين الباصرة و يشغل حيزاً من الفضاء و جزء آخر يحس بعين البصيرة و لا تراه عين الباصرة و لكن يقطع كل احد بوجود شيء في الانسان بل و الحيوان غير هذا البدن بل هو المصرف و المتصرف في البدن و لولاه لكان هذا البدن جماداً لا حس فيه و لا حركة و لا شعور و لا ارادة، اذاً فيلزمنا للوصول الى الحقيقة و الغاية المتوخاة البحث عن هذين الجزءين فإذا عرفناهما حق المعرفة فقد عرفنا كل شيء و اندفع كل اشكال ان شاء اللّه. (و إليك البيان) يشهد العيان و الوجدان و هما فوق كل دليل و برهان و إليهما منتهى اكثر الأدلة ان هذا البدن المحسوس الحي المتحرّك بالإرادة لا يزال يلبس صورة و يخلعها و تفاض عليه اخرى و هكذا لا تزال تعتور عليه الصور منذ كان نطفة فعلقة فعظاماً فجنيناً فمولوداً فرضيعاً فغلاماً فشاباً فكهلًا فشيخاً فميتاً فتراباً تكونت النطفة من تراب ثمّ عادت الى التراب فهو لا يزال بعد ان أنشأه باريه من امشاج ليبتليه فجعله سَمِيعاً بَصِيراً ... إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً في خلع و لبس أَ فَعَيِينٰا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ يخلع صورة و يلبس اخرى و ينتقل من حال الى حال و من شكل الى آخر مريضاً تارة و صحيحاً و هزيلًا و سميناً و ابيضاً و اسمراً و هكذا تعتوره الحالات المختلفة و الاطوار المتباينة و في كل ذلك هو هو لم تتغير ذاته و ان تبدلت احواله و صفاته فهو يوم كان رضيعاً هو يوم صار شيخاً هرماً لم تتبدل هويته و لم تتغير شخصيته بل هناك اصل محفوظ يحمل كل تلك الاطوار و الصور و ليس عروضها عليه و زوالها عنه من باب الانقلاب فإن انقلاب الحقائق مستحيل فصورة المنوية لم تنقلب دموية او علقية و لكن زالت صورة المني و تبدلت بصورة الدم و هكذا فالصورة متعاقبة متبادلة لا متعاقبة منقلبة (اذ صورة لصورة لا تنقلب) و هذه الصورة كلها متعاقبة في الزمان لضيق وعائه مجتمعة في وعاء الدهر لسعته و المتفرقات في وعاء الزمان مجتمعات في وعاء الدهر و لا بد من محل حامل و قابل لتلك الصور المتعاقبة ما شئت فسمه مادة او هيولى او الأجزاء الاصلية كما في الخبر الآتي ان شاء اللّه و كما ان المادة ثابتة لا تزول فكذلك الصور كلها ثابتة في محلها فِي كِتٰابٍ لٰا يَضِلُّ رَبِّي وَ لٰا يَنْسىٰ و لٰا يُغٰادِرُ صَغِيرَةً وَ لٰا كَبِيرَةً إِلّٰا أَحْصٰاهٰا و قد عرفت في ما مرَّ عليك من المباحث ان الشيء لا يقبل ضده و الموجود لا يصير معدوماً و المعدوم لا يصير موجوداً و انقلاب الحقائق مستحيل.
ثمّ ان هذا البدن المحسوس العنصري لا ريب في انه يتحصل من الغذاء و ان اجزاءه تتحلل و تتبدل فهذا الهيكل الجسماني بقوة الحرارة الغريزية التي فيه المحركة للقوى الحيوانية العاملة في بنائه و حفظه و تخريبه و تجديده كالجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة و غيرها لا يزال في هدم و بناء و اتلاف و تعويض كما قال شاعرنا الحكيم في بيته المشهور:
و المتلف الشيء ضامنه و قاعدة
(المتلف ضامن)
و في بيان اوضح ان علماء (الفزيولوجيا) علم اعضاء الحيوان قد ثبت عندهم تحقيقاً ان كل حركة تصدر من الانسان بل و من الحيوان يلزمها يعني تستوجب احتراق جزء من المادة العضلية و الخلايا الجسمية و كل فعل ارادي او عمل فكري لا بد و ان يحصل منه فناء في الاعصاب و اتلاف من خلايا الدماغ بحيث لا يمكن لذرة واحدة من المادة ان تصلح مرتين للحياة، و مهما يبدو من الانسان بل مطلق الحيوان عمل عضلي او فكري فالجزء من المادة