مبادئ الإيمان - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٩ - (درس ٦) العدل الاعتقادي
الحكم عندهم سار في افعال الخالق و المخلوق جميعاً سوى ان افعال المخلوق قد تصير حسنة او قبيحة بعد تعلق احكام الديانات بها ايجاباً او تحريماً بخلاف افعاله المقدسة فإنه لا مجال للعقل فيها بتحسين او تقبيح ابداً فلو عذّب العبد الذي افنى عمره بالطاعة و العبادة و خلده في جهنم و انعم على الشقي الذي اهلك العباد و افسد البلاد بالقتل و الظلم و ادخله الجنة لم يكن ذلك منه قبيحاً و لا خلافه حسناً بل كل ما يفعله و يأمر به هو الحسن و كل ما يتركه او ينهى عنه فهو القبيح لا انه يفعل ما هو الحسن لحسن ذاتي يدعوه الى فعله او يترك الشيء لقبح ذاتي يوجب تركه و من هنا لزم مقالتهم هذه انكار كونه تعالى عادلًا بالمعنى الآتي قريباً بل صرحوا بانكاره و جواز ان يدخل النار من اطاعه و الجنة من عصاه قائلين بأن كل ما يفعله هو العدل كيف ما كان و قد خالفهم في ذلك قاطبة العقلاء و ضرورة العقول و تظاهر في خلافهم و الرد عليهم من المسلمين طوائف عرفوا بالعدلية، و هم كافة مشايخ العرفاء وسادة الصوفية و اساطين الحكمة و الفلاسفة الآلهية و قاطبة و جمهور الإمامية و سائر السلفية و الظاهرية و نحن نوضح لك الحقيقة بأجلى بيان و ذلك ان لكل واحدة من الحواس الظاهرة بالضرورة ملائمات و منافرات من الأفعال الخارجية بل سائر الموجودات مما تقع عليه تلك الحواس فكما ان السمع تلذه أصوات القماري و البلابل بسجعها، و تؤنسه نغمات الأوتار في تناسب وقعها، و تزعجه اصوات الحمير و قعاقع الرعد المهول و عواصف الريح و زجل الطبول، و اللمس تلائمه النعومة و تؤلمه الخشونة، و الشم تنعشه روائح المسك و تكمده العفونة و هكذا الذوق و البصر، في مدركاتهما من الطعوم و الصور، فكما ان لكل واحدة من هذه الحواس منافراً و ملائماً، و مصالحاً و مصادماً، فكذا لرئيسها و حاكمها و مسيسها، الذي به صار الانسان انساناً، و الا فهو بتلك الأمور وحدها لم يكن الا حيواناً.
لو لا العقول لكان ادنى ضيغم * * *ادنى الى شرف من الانسان
فلا محالة له منافرات و ملائمات، بضرورة ان له مدركات و معقولات و الا فهو معدوم باطل الذات، و ما القول بوجوده حينئذ الا كالقول بالغول و العنقاء و سائر الخرافات، ضرورة ان لا سبيل لنا للايمان بوجود شيء من القوى الحساسة الا بظهور