مبادئ الإيمان - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٢ - (درس ٧) المعاد الجسماني
دعوى الاستحالة و الامتناع و اثبات انه ممكن عقلًا بل واقع فاللازم اثبات امكانه الذاتي و امكانه الوقوعي ابقاء للادلة الشرعية على ظواهرها، و قطع ايدي التأويل عن منيع مقامها.
و حيث ان الحاجة الى النظر في هذه القضية لا بد ان يكون من غير الظواهر النقلية بل من المبادئ العقلية، فاعلم اولًا ان الأقوال في المعاد اربعة:
احدهما: انكاره مطلقاً لا جسماً و لا روحاً، و هو قول جميع الملاحدة و الطبيعيين الذين ينكرون المبدأ، فكيف المعاد و هما متلازمان في المفاد و بينهما اقوى مراتب الاتحاد و اثبات المبدأ يكفي في ابطال هذا القول راجع الجزء الأول من (الدين و الاسلام) تجد فيه لإثبات الصانع ما يغنيك عن غيره بأجلى بيان، و اقوى برهان.
ثانيهما: اثبات المعاد الروحاني فقط نظراً الى ان الأرواح مجردة و المجرد باق، و الجسم مركب من عناصر شتى، و اذا فارقته الروح، و دخلت في عالم المفارقات انحل هذا المركب و لحق كل عنصر باصله. و انعدم و تلاشى ذلك المركب، و انعدمت تلك الصورة، و المعدوم يستحيل عوده، و الروح باقية، و هي التي تعاد للحساب و انجاز عملية الثواب و العقاب، و لعل الى هذا الرأي المثالي او الخيالي يشير المعلم الثاني ابو نصر الفارابي في ارجوزته التي يقول فيها:
اصبح في بلابلي و امسي * * *امسي كيومي و كيومي امسي
يا حبذا يوم حلول رمسي * * *مطلع سعدي و مغيب نحسي
من عرضي يبقي بدار الحس * * *و جوهر يرقى لدار القدس
و كل جنس لاحق لجنس
و يعني بالعرض الجسم التعليمي، ذا الابعاد الثلاثة، و الكيفيات الخاصة و هو الذي تتفرق بالموت اجزاؤه، و يلحق كل جزء باصله من العناصر و لم يعلم رأيه انها تعود او لا تعود و كيف تعود، و على كل فبطلان هذا القول يبتني على منع صيرورة البدن معدوماً بالموت او بعد الموت كما سيأتي قريباً ان شاء اللّه.
ثالثها: القول بالمعاد الجسماني فقط، و هو مذهب جميع اهل الظاهر من المسلمين و بعض المتكلمين، و هو لازم كل من انكر وجود النفس و الروح المجردة، بل انكر وجود كل مجرد سوى اللّه (فلا مجرد الا اللّه) اما الملائكة، و العقول، و النفوس و الارواح، فكلها اجسام، غايته انها تختلف من حيث اللطافة و الكثافة و العنصرية و المثالية يظهر هذا من كلمات عدة من العلماء و لكني اجلهم عن ذلك، و كلماتهم محمولة على غير ما يتراءى منها، و مغزاها معاني اخرى جليلة.
رابعها: و هو احقها و اصدقها اثبات المعادين الجسماني و الروحاني، أي معاد هذا الجسد الذي كان في الدنيا بروحه و جسمه، فيعود للنشر يوم الحشر كما كان، و يقف للدينونة بين يدي الملك الديان. كما هو ظاهر جميع ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالة على رجوع الخلائق الى اللّه عز شأنه و الرد على منكري البعث و المعاد لمحض العناد او الاستبعاد او اخذاً بقضية استحالة اعادة المعدوم المرتكزة في الاذهان و قد رد عليهم الفرقان المحمدي بأنحاء من الاساليب البليغة البالغة الى اقصى مراتب البلاغة و القوة يعرفها من يتلو القرآن بتدبر و امعان و حيث ان غرضنا المهم من تحرير هذه الكلمات هو اثبات الامكان و دفع الاستحالة كي تبقى ظواهر الادلة على حالها لذلك لم نتعرض لسرد تلك الآيات النيرات و اتجهنا الى تلك الوجهة و دحض تلك الشبهة بأوضح بيان و اصح برهان و منه تعالى نستمد