الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨ - ١-الشريف المرتضى

من ثمار الأشجار العاطفة على النهر؛ فاكهة موقوفة عليهم، و لغيرهم ممن تحمل السفن؛ و قدّروا ما تغلّه هذه الفرى بأربعة و عشرين ألف دينار فى العام.

و قد تمكّن بفضل هذه الثروة من أن يعيش فى داره مكفول الرّزق، مقضىّ الحاجات، لا يشغله ما يشغل غيره من شئون الدنيا و مطالب الحياة؛ و لا يصرفه شي‌ء عن القراءة و الدرس و التصنيف و الفتيا؛ بل إنه تمكن من أن يقضى حاجة قلبه من البرّ بالناس، و مواصلتهم، و العطف عليهم؛ و خاصة من كان يمت إلى العلم بصلة، أو يدلى إليه برحم ماسّة، فكان منزله دارا للضيافة، و مدرسة للتعلم و المدارسة، ينقطع فيه التلاميذ و الطلاب و المريدون، و يستروح فى رحابه الوافدون من شتى الجهات، بعد أن يكون قد أدماهم السير و أكلّهم السّرى؛ بل إنه جعل للكثير من تلاميذه مرتبات منظمة؛ و حبوسا موقوفة عليهم؛ كان أبو جعفر الطوسى‌ [١] من تلاميذه المنقطعين إليه، فأجرى عليه اثنى عشر دينارا فى كل شهر، فى ثلاثة و عشرين عاما قضاها فى صحبته إلى أن مات، و كذلك رتب للقاضى عبد العزيز بن البراج‌ [٢] ثمانية عشر دينارا فى الشهر؛ و غيرهما كثير. و وقف قرية كاملة؛ يجرى خيرها على كاغذ للفقهاء خاصة؛ رغبة فى النفع، و بثّ العلم فى الناس.

و روى أنه أصاب الناس قحط شديد فاحتال رجل يهودىّ على تحصيل قوت يحفظ نفسه ففزع إليه؛ و شفاعته الرغبة فى العلم. و استأذنه أن يقرأ عليه شيئا من علم النجوم؛ فأذن له، و أمر بجائزة تجرى عليه فى كل يوم، فقرأ عليه برهة ثم أسلم.

و من هذه البابة أيضا ما حكاه ابن خلكان عن أبى زكريا التبريزىّ أن أبا الحسن على ابن أحمد بن سلك الفالى الأديب كانت له نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد فى غاية الجودة»


[١] هو محمد بن على بن جعفر الطوسى، ولد سنة ٣٨٥، و لزم الشيخ المفيد و تخرج عليه و لما مات سنة ٤١٣؛ لزم السيد المرتضى إلى أن مات، ثم استقل بالإمامة بعده، و توفى سنة ٤٠٦.

[٢] هو عبد العزيز بن نحرير بن البراج؛ ولد بمصر و نشأ بها؛ و رحل إلى طرابلس و ولى قضاءها مدة، و توفى سنة ٤٨١.