الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩ - ١-الشريف المرتضى
فدعته الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضى بستين دينارا، و تصفحها فوجد بها أبياتا بخط بائعها أبى الحسين الفالى؛ و هى:
أنست بها عشرين حولا و بعتها # لقد طال وجدى بعدها و حنينى
و ما كان ظنى أننى سأبيعها # و لو خلّدتنى فى السجون ديونى
و لكن لضعف و افتقار و صبية # صغار عليهم تستهلّ شئونى
فقلت و لم أملك سوابق عبرة # مقالة مكوىّ الفؤاد حزين
«و قد تخرج الحاجات يا أم مالك # كرائم من ربّ بهن ضنين»
فأرجع إليه النسخة؛ و ترك الدنانير؛ جريا على عادته من صلته أهل العلم، وبره بهم.
***
و قد اجتمع إليه من فنون العلوم و ضروب الآداب ما قلّ أن يجتمع لسواه؛ و ضرب فيها جميعها بسهم وافر؛ فكان فقيها انتهت إليه رئاسة الإمامية فى عصره؛ بعد أن درس الأصول، و محّض الحقائق، و استخرج المسائل، و نصب نفسه بعد ذلك للفتيا، فشدّت إليه الرحال، و وفدت إليه الناس من كل صقع، و وضع لكلّ كتابا؛ فهذه المسائل الديلمية، و تلك المسائل الطوسية، و هذه المسائل المصرية و الموصلية و هكذا. و حذق علم الكلام و أصول الجدل، فحاجّ النظراء و المتكلمين، و ناظر المخالفين؛ و كتابه الشافى حجة على طول باعه فى الجدل. و له فى تفسير القرآن و تأويل الكتاب ما كشف به عن بحر لا يسبر غوره؛ و لا ينال دركه؛ و قد حفظ من أخبار العرب و أشعارهم و لغتهم ما جعله فى الرعيل الأول من الرواة و الحفاظ و الأدباء؛ و بكل هذا كان إمام عصره غير مدافع؛ قال ابن بسام: «كان هذا الشريف إمام أئمة العراق، بين الاختلاف و الاتفاق؛ إليه فزع علماؤها، و عنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، و جماع شاردها و آنسها؛ مما سارت أخباره، و عرفت أشعاره، و حمدت فى ذات اللّه مآثره؛ إلى تواليفه فى الدين، و تصانيفه فى أحكام المسلمين، ممن يشهد أنه قرع