الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧ - ١-الشريف المرتضى
فأما الشيخ المفيد فقد كان رأسا من رءوس الشيعة؛ و علما من أعلامهم؛ لا يدرك شأوه فيهم؛ و إليه انتهت رئاسة الإمامية فى عصره، و فى كتبه حفظت أقوالهم و آراؤهم و شروحهم و تأويلاتهم؛ و عنه تلقى السيد المرتضى الفقه و الأصول و التفسير و علم الكلام؛ ثم استقل بالرأى فيما بعد؛ و وضع فى ذلك الكثير من الكتب و الرسائل و المقالات.
و أما المرزبانىّ فقد كان إماما من أئمة الأدب؛ و شيخا من شيوخ المعتزلة، و علما من أعلام الرواية؛ و كانت داره مقصد العلماء و المتأدبين؛ مهيّأة بالكتب و الورق و المداد؛ معدّة للطعام و الراحة و النوم؛ فكان يأخذ عمّن يزوره من العلماء؛ و يقرأ لمن يجلس إليه من الطلاب، و فيما بين ذلك يؤلف الكتب و يصنفها؛ و معظم ما رواه السيد المرتضى فى كتاب الغرر من الشعر و اللغة و الأخبار ممّا تلقاه عليه، و رواه عنه.
و لما علت به السنّ، و خلع عن منكبه رداء الشباب عكف فى منزله مخلدا إلى القراءة و الدرس؛ و استنزف أيامه فى التحصيل و التأليف، مؤثرا مجالسة العلماء و المستفيدين على مخالطة الرؤساء و ذوى السلطان؛ بل إنه زهد فيما ورّث أبوه من نقابة الطالبيين، و النظر فى المظالم، و آثر بها أخاه الرضىّ-و كان أصغر منه-ليرضى ما كانت تنزع إليه همة أخيه من الرغبة فى سنىّ المطالب و بلوغ الأقدار؛ و يقضى حاجة نفسه من الانقطاع إلى العلم، و الخلوة إلى القراءة و الدرس؛ و لم يتولّ شيئا من هذه المناصب إلا بعد وفاة أخيه.
و أعانه على ما يبغى ما تهيأ له من مكتبة عريضة واسعة؛ تحوى ما عرف من الكتب فى حياته؛ ذكر الثعالبى أنها قوّمت بعد وفاته بثلاثين ألف دينار، و قدرت بثمانين ألف مجلد، بعد أن أهدى منها ما أهدى إلى الرؤساء و الوزراء.
و كان السيد المرتضى فى نعمة سابغة، و خير كثير، و ثروة قلّ أن تتهيأ لمثله من العلماء؛ روى أنه كانت له ثمانون قرية بين بغداد و كربلاء، يشقها نهر ينتهى إلى الفرات؛ و كانت السفن تسير فيه غادية رائحة، تحمل السّفر و الزوار؛ و خاصة فى موسم الحجيج؛ و كان لهم فيما يساقط