رسالة في تعقب الموضع الجدلي - ابن سينا - الصفحة ٦٨
لو كان كل حكم يحكم به على شىء انما يعرف وجوده له بعلّة هى اولا، لم يخل اما ان يدور، فيصير ما هو علة فى المعرفة معلولا فى المعرفة، و ما هو معلول فى المعرفة علة فى المعرفة؛ فيكون ما هو اخفى اظهر، و ما هو اجهل اعرف. و هذا محال. و ان لم يدر [١]، وجب ان يكون كل حكم يحتاج ان يعرف قبله حكم آخر، و كل وصف يحتاج ان يعرف قبله وصف آخر الى غير نهاية، و يحتاج فى ان يعرف الى ان يعرف قبله امور بغير نهاية، لم يحصل به علم البتّة. و هذا مستحيل. و هذه المحالات كلها انما لزمت من فرضنا جواز كون كل حكم يحكم به على شىء لعلّة، و ما لزم عنه محال فهو محال. فاذن ليس كل حكم يحكم به على شىء لعلّة. فاذن قول القائل ان هذا الحكم لهذا الشيء اما ان يكون لصفة كذى، و اما ان يكون لصفة كذى، و ان استوفى الصفات كلها، قسمة غير مستوفاة. بل يجب ان يقسم فيقال:
ان هذا الحكم اما ان يكون لذاته، و اما ان يكون لعلة هى صفة كذا او [٢] صفة كذى، حتى يستوفى الصفات. و سواء كانت الذات شيئا مفردا يلحقها صفات من خارج، او يكون الذات ليس الا مجموع الصفات التى يوصف بها، فهذا باب.
و اما المقدمة الثانية فهو ان هذا ايضا مما [٣] يعسر جدّا. و ذلك لان الاحاطة بصفات الشيء كلّها مما يصعب. و هؤلاء اذا لم يحضرهم صفة، و لم يجدوها فى ذكرهم [٤] او لم يمكن الخصم ان يورد غير ما اورده، ظنوا انهم استوفوا الصفات. و ربما فرعوا الى القسمة، فبينوا صفات الشيء من القسمة. اما الوجه الاول فليس يعتمد اليه، فانه ليس اذا لم يحضرك صفة الشيء لم يكن له، و ما لم يبرهن انه لا صفة غير ما عددت، لم يكن الكلام لازما ضروريّا.
و اما الوجه الثانى و هو القسمة، فان القسمة لا يفيد ايضا حصول الاوصاف كلها
[١] - ب- يدور
[٢] - ب: او، ديگر نسخهها: و
[٣] - ب: مما
[٤] - ب: ذكرهم، ديگر نسخهها: اكثرهم