رسالة في تعقب الموضع الجدلي - ابن سينا - الصفحة ٦٧
بمثال [١] ابيّنه: و هو ان الحركة فى الحقيقة علة لكون الشيء متحركا فى الوجود [٢]، و الحرارة و الحارّ علة بوجه ما لكون الشيء محترقا فى الوجود. و لا يصح ان يكون الامر فى المثالين بالعكس، اعنى: انه ليس لك ان تقول: ان هذا الشيء انما وجدت فيه الحركة لعلة انه يتحرّك، كما لك ان تقول: ان هذا الشيء انما وجد متحركا لعلة وجود الحركة فيه.
و كذلك ليس لك ان تقول: ان هذا الشيء انما اصابه الحرارة فى الوجود لعلة انه احترق، كما لك ان تقول: ان هذا الشيء انما احترق فى الوجود انه اصابته الحرارة.
ثم قد يجوز ان يكون معرفتك بانه متحرك علة لمعرفتك بوجود الحركة فيه، و معرفتك بانه محترق علة لمعرفتك بعمل الحرارة فيه.
ففرق بين ما هو علة للامر نفسه و بين ما هو علة لمعرفتك به او ايجابك له [٣].
ثم قول القائل «ان كل حكم يكون لشىء من الأشياء لعلة»، ان عنى العلة بالمعنى الاول؛ وجب من ذلك احد الامرين:
اما ضرورة المعلول فى الوجود علة لما هو علّته فى الوجود، و اما ترادف العلل ذاهبة الى غير النهاية. و ذلك لان المعنى الذى هو علة لصفة اخرى هو فى نفسه صفة لا محالة.
فلا يخلو اما ان يكون علته تلك الصفة الاخرى، او صفة ثالثة. فان كانت علته تلك الصفة الاخرى، انقلب ما هو علة فى الوجود معلولا فى الوجود. هذا خلف. و ان كانت صفة ثالثة فالحال فى تلك الصفة كالحال فيها اذا فرض ان كل صفة فلها علة فى الوجود، لزم من ذلك ترادف العلل واحد قبل الآخر بلا نهاية، و لزم من ذلك كون الصفات بلا نهاية. و وجود علل على التوالى بلا نهاية محال. و كون صفات الشيء بلا نهاية يمنع التعليل بالقسمة، لانه لا يمكن ان يغنى بالمنع حتى يبقى صفة واحدة.
و اما ان عنى بالعلة المعنى الثانى، فالقول فيه مجانس للقول الآخر. و ذلك لانه
[١] - الف: لمثال.
[٢] - ب: فى الوجود
[٣] - ب: ايجابك له، ديگر نسخهها: او الحاكم به، ن ل الف: الجال