رسائل أخرى لابن سينا (هامش شرح الهداية الاثيرية) - ابن سينا - الصفحة ٣٢٩ - رسالة معرفة الأشياء

و امّا القوّة التّعارفيّة فانّ احكامها الامور المشهورة المحمودة و الّتي قاديت به و لم يزل يسمعه منذ خلقت و لو توهّم الانسان نفسه انّه خلق أوّل الامر عاقلا فهما و لم يعاشر و لم يحاور و شكّل نفسه و طلب فيها كان له ذلك مثال ذلك العدل حسن و الظّلم قبيح و الكذب فاحش و ما اشبه ذلك و هذه الاحكام التّعارفيّة يبلغ من الانسان مبلغا يمنعه عن التّشكل فيها و يقوم فيها مقام العقائد الضّروريّة فان لم يكن كذلك بل كان بعضها كذبا و بعضها صدقا يحتاج الى حجّة برهانيّة ليقع به التّصديق اليقينيّ و احكام هذه البديهة تسمّى الرّابعات و المشهورات و امّا العقل النّظرى فاحكامه هى الحجج الاوّلية و هى الّتي لا يمكن ان يشكّ فيها بوجه من الوجوه لانّه لا يقع فيها من حيث الوهم فى غير المحسوسات فانّ ذلك لا تعترى النّفس فيها شكّ البتّة و ان كانت كاذبة على ما قلنا و بديهة العقل النّظرى هى البديهيّة الحقيقيّة مثل قولنا الموجود امّا ان يكون قديما او محدثا و قولنا الكلّ اعظم من الجزء و قولنا كلّما لم يكن فكان له سبب و ما شانه ذلك نور انضجت، اذن اقسام، الى ما يحكم فيها بالبديهة و انّها حقيقيّة و انّها مزيّفة فليسمّ ما لم تر لفظ و لا ذات ما بالحقيقة و لكنّ الاصل فيها ارتفاع الشّك فيها الّا على سبيل الوهم مع دفع العادات و المعاشرات و حسان الانسان نفسه انّه يخلص الى العالم ساعة فى ظنّ ذلك الحكم يناله و يعرض التّشكك فيه فلم يبنها و السّلام.