البيان الاسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٨ - حكمة بعث المرسلين
أنفسهم بأزمة أشكل. واستمراراً لهذا العناد- الذي قل أن يكون له نظير في التأريخ البشري- بدأت الأفكار الشيطانية بالانتشار والسيطرة فور وفاة النبي موسى بن عمران عليه السلام، فتحول الدين من عقيدة سماوية الغرض؛ منها إنقاذ الانسان من كل رذيلة .. الى مبدأ عنصري يبيح لهم الاعتقاد بالسيادة على كافة شعوب الأرض وأن نفوس وأعراض وأموال وممتلكات الناس مباحة لهم باعتبارهم أبناء الله وأنهم شعبه المختار .. فأخذوا بالفعل باستباحة المنكرات والمفاسد بشكل لم يسبق له مثيل، بل لقد وقع بأسهم بينهم فقتل بعضهم بعضاً وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم بغير حق.
عند ذلك؛ احتاجت البشرية الى مجددّ، يأتي ليعيد الناس الى الدين الخالص والصراط المستقيم، وأن يعيدهم الى الرسالة التي أنزلت من قبل على النبي موسى بن عمران عليه السلام.
فجاء النبي عيسى بن مريم عليه السلام مبعوثاً إلهياً لينفذ هذه المهمة المقدسة، كما جاء من كان قبله من الأنبياء ليتمموا رسالات الرسل السابقين لهم. وعليه فإن هذه الرسالات المتتالية هي رسالة واحدة في الأسباب والأهداف، فحينما تقرأ سورة الشعراء أو سورة القصص أو سورة الأنبياء تجدها تبين وتوضح بجد موضوع وحدة الرسالات السماوية، وعبارة (أن اعبدوا الله) تتكرر على لسان كل نبي الى أمته.
ولكن الرؤى السماوية التي جاء بها النبي عيسى عليه السلام قد حرفت هي الأخرى تحت ضغط السلطات الحاكمة أنذاك وبفعل انعدام الوعي الكافي بين الناس، لا سيما وأن أحبار اليهود الضالين لم يكونوا ليتركوا من فرصة من النيل والتشويه في أفكار وسمعة هذا النبي العظيم أو أمه الصديقة مريم إلا واستغلوها. وإن التأريخ ليذكر بكل صراحة كيف كان اليهود يغرون ويؤلبون أباطرة الروم- عبدة الأوثان والخرافات