منتهى المطلب في تحقيق المذهب - العلامة الحلي - الصفحة ١٦

تثبيت وجهة نظره. حيث إنّ المسوّغ لأمثلة هذا التّوكّؤ على أدلّة السّنّة النّبويّة من طرقهم أو إجماعاتهم أو قول و عمل الصّحابة دون القياس و الاستحسان و نحوها من الأدلّة الّتي تدخل ضمن «الرّأي» هو: أنّ هذه الأدلّة لا تتعارض مع أدلّة «الخاصّة» من حيث كونها مستندة إلى كلام النّبي (ص) أو فعله أو تقريره، كلّ ما في الأمر أنّ «طرقها» مشكوك فيها، أي: أنّها ذات مظانّ شرعيّة من حيث المصدر دون طرقه الكاشفة عنه، و هذا بخلاف الأدلّة المستندة إلى «الرّأي» المنهيّ عنه شرعا، حيث لا مستند لها البتّة، لذلك يمكن الاستدلال بالرّواية أو الإجماع أو عمل الصّحابة «في مقام إلزامهم» على العكس من أدلّة «الرّأي»، فروايات الجمهور- مثلا- حيال طهارة و مطهّريّة الماء، أو إجماعهم على عدم انفعال الكثير منه بالنّجاسة، أو عمل الصّحابة في عدم الالتفات إلى «تغيّر» الماء الّذي لا يمكن التّحرّز منه بالنّسبة إلى مطهّريّته. أمثلة هذه الأدلّة الّتي استند إليها المؤلّف تظلّ أدوات معززة لدليل «الخاصّة»: من حيث استنادها إلى مصدر «شرعيّ» بالرّغم من أنّها ذات طرق مشكوك في حجّتها و لكنّها ما دامت- بشكل أو بآخر- تدّعي الانتساب إلى ما هو «شرعيّ»، فحينئذ لا مانع من التّوكّؤ عليها في صعيد «الإلزام» للمخالف.

و في ضوء هذه الحقائق يمكننا أن نستشهد ببعض ممارسات المؤلّف في تعامله مع أدلّة الجمهور في مرحلة عرض الأدلّة، سواء أ كان ذلك في صعيد التّعامل مع «الرّوايات» أو «الإجماع» أو «قول و فعل الصّحابيّ».

أمّا بالنّسبة إلى تعامله مع الرّواية، فنجده يرتكن- بنحو عام- إلى معايير الجمهور في «التّعديل و الجرح» لها، حيث إنّ المقارنة تفرض عليه أن يعتمد معايير الطّرف الآخر من أطراف المقارنة. لذلك يحرص على تقديم الرّواية المعتبرة سندا لدى الجمهور، حتّى أنّه ليشير أحيانا إلى كونها «معتبرة» من خلال التّنصيص عليها. و هذا من نحو تعقيبه على الرّوايات الّتي ساقها للتّدليل على عدم طهارة جلد الميتة حتّى لو دبغ، حيث علّق على إحداها قائلا: (و رواه أبو داود، قال: إسناده جيّد) و عقّب على أخرى، قائلا: (و إسناده حسن).

بالمقابل نجده في مرحلة ردوده على أدلّة الآخرين- كما سنرى لا حقا- يرفض الرّواية‌