عدالة الصحابة تقطع بصحة المتعة - أبو عبادة الحسيني - الصفحة ٢٣
كلامه مباشرة بالكلام القاسي الشديد لابن عباس المعروف بأنه حبر الأمة إلا أن يكون ذلك تتمة لحوار طويل قد جرى بينهما قبل ذلك, أما أن يكون ابن الزبير (ر) قد افتتح حواره مع ابن عباس (ر) بهذه القسوة والعنف فهذا لا يليق بأخلاق ابن الزبير قريب أم المؤمنين عائشة (ر) والمشهور بأنه حواري رسول الله(ص).
أما الرواية الثانية فهي: "عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما شاء قال محمد يقال انه عمر".[٦٢]
وفي فتح الباري لشرح البخاري يقرر ابن حجر أن عمر هو المقصود بقوله (قال رجل برأيه ما شاء)[٦٣].
إذاً, هذه الرواية الصحيحة يؤكد فيها الصحابي الجليل عمران بن حصين أن المتعة كان تشريعها بآية قرآنية - وهذا يتضمن إمكان نسخها بآية فقط - ثم يؤكد عمران بأنها كانت تمارس في عهد النبي (ص), بل وينفي نفياً جازماً أن تكون المتعة قد نُسخت بآية أو حديث, ثم يرد على من يقول بحرمتها بأن كلام من يحرمها مهما حاول تحريمها فإنه لن يغير من حقيقتها, وهي أنها حلال, وهو يشير بذلك إلى عمر(ر) كما هو واضح.
ومن هذا نستنتج أن عمران وصله قول من يقول بالتحريم ومع ذلك أصر على رأيه بالتحليل, وهنا نجد أنفسنا أمام احتمالين: إما أن يكون عمر(ر) ينقل خبر النسخ للناس عندئذ فلا يملك الناس بما فيهم عمران إلا أن يصدقوه وينتهوا فوراً عن المتعة وإلا فإنهم يكونوا يتهمونه بالكذب فيما ينقله عن رسول الله - والعياذ بالله - وهذا التفسير مستبعد تماماً, وإما أن من لم يمتثل لقول عمر (ر) وأصر على مخالفته, إنما فعل ذلك لمعرفته أن عمراً لا ينقل خبر النسخ أصلاً, لعدم وجود ناسخ, وإنما هو رأي ارتآه ووجد عمران ومن وافقه أنهم غير ملزمين باجتهاد عمر (ر) فإن كان مجتهداً فهم مجتهدون أيضاً, وهذا هو التفسير الذي يليق بمجتمع الصحابة (ر).
وهذه الرواية مع أن بعض طرقها جاءت تحت باب متعة الحج, وحتى لو أن جميع طرقها رويت تحت هذا الباب, فإن تصنيف الأحاديث تحت أبواب معينة هو اجتهاد من الإمام البخاري ولا يعني أن عمران قطعاً يقصد متعة الحج وليس متعة النساء, وحتى لو سلمنا أنه يقصد متعة الحج بالتحديد إلا أنها تعكس أن النهي عن متعة الحج كان باجتهاد شخصي من عمر(ر).
[٦٢] صحيح البخاري ج٥ ص١٥٨ / كتاب تفسير القرآن.
[٦٣] ج٨ ص ١٣٩ / باب فمن تمتع بالعمرة إلى الحج.