نفحات الاعجاز - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٥ - تمهيد عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن الكريم
الحال الذي يتكلّم فيه و جريانه على الوجوه اللازمة في ذلك،لا بمجرّد تزويق[١]الألفاظ
و تحوير العبارات؛و قد وجدوا القرآن الكريم يعطي كل مقام حقّه من المطابقة
لحقيقته و مناسباتها،بحيث لم يجدوا في ذلك شبهة غميزة[٢].مع
خوضه حقّ الخوض في كل حقيقة يحوم حولها العارف الإلهي،و المصلح الديني،و
المصلح السياسي،و المصلح المدني الاجتماعي،و المصلح التاريخي،و النبي
المتعرّض للغيب، فيوفّي كل حقيقة حقّها على النحو الباهر،مع الاستقامة في
المسلك، و الاطّراد في المجرى،و الانسجام في البيان.
و علموا أنّه لا يجدي في المعارضة خيالياتهم في الغزل و النسيب و المدح و
الحماسة،بل لا بدّ أن يخوضوا في مواضيع القرآن الكريم من الحقائق خوضا
ابتدائيا لا اتّباعا تقليديّا.
فأقعدهم عرفانهم لذلك مقعد العجز،و أوقفهم موقف الحيرة، فاحتملوا ما
احتملوا من البلاء،إذ لم يجدوا لما دعاهم إليه من النصفة سبيلا،فبان منهم
العجز عن ذلك،و ظهر عند القاصي و الداني إعجاز القرآن و أنّه خارج عن طوق
البشر.
و لو كان من ذلك شيء يرضونه أو يتوهّمون لياقته للحجّة و رواجه في سوق
المحاكمة لرفعوه علما للاحتجاج،و أنطقوه مستصرخا للانتصار،و صارخا في
الأقطار بالظليمة،و داعيا إلى المحاكمة، و للهجت به الأندية[٣]،و عجّت بنشيده أسواق العرب،و سارت به الركبان،و دوّنت به الدفاتر،و تعنونت باسمه الحروب و المنافرات،
[١]التزويق:التحسين.
[٢]الغميزة:العيب.
[٣]الأندية:جمع النادي،بمعنى المجلس.