نفحات الاعجاز - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٦ - تمهيد عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن الكريم
و لكثر له الأعوان و المحامون[١]و
المدّعون،و لضجّت به اليهود و النصارى في جزيرة العرب و فلسطين و
سوريا،فكان لهم أشهى حديث يؤثر،و أجلّ سيرة تسجّل،و لكان أقرّ لعيونهم في
التاريخ من أحاديث شمشون[٢]و مجلّة استير[٣]و رؤيا يوحنّا[٤]،و ها أنت و كلّ أحد لا تحسّ لذلك همسا و لا تسمع له حسيسا.
فإن توهّم«حسن الإيجاز»أن قد جاءوا بمثله و اختفى علينا فقد أخطأ
وجدانه،كيف و أنّهم أهل السلطة و الكثرة القاهرة و حاجتهم إلى ذلك أشدّ من
حاجتهم إلى حفظ شعر امرئ القيس و غيره من الشعراء؟!فكيف يأتون بمثل هذا
القرآن و يضيّعونه و لم يضيّعوا المعلّقات السبع التي علّقوها بالكعبة
إعجابا بها،فلمّا جاء القرآن أنزلوها استحقارا لها في جنب جلالته كما حفظ
ذلك لنا التاريخ؟!
و حينئذ فاعتراف أهل اللسان بإعجاز القرآن حسبما دلّ عليه الوجدان أوضح
دليل على إعجازه،و من لم يكن من أهل اللسان فهو عاجز عن إدراك ذلك فلا
ينبغي له الخوض فيه،بل يلزم عليه أن يتّبع أهل اللسان و لا يبقى هالكا في
ورطة الجهل،أعاذنا اللّه منه و من الجهل بأنّا جاهلون،و اللّه الهادي إلى
سواء السبيل.
و من ظرائف الشواهد[٥]أنّ بعض المولّدين و الدخلاء في اللغة
[١]المحامي:هو الوكيل في المحاكمة.
[٢]هو الإصحاح(الفصل)الرابع عشر من سفر القضاة من العهد القديم الذي ينسبه اليهود و النصارى إلى الإلهام.
[٣]استير:أحد أسفار العهد القديم،استعير له اسم المجلّة مشابهة.
[٤]هو من جهة الكتب الإلهامية عند النصارى.
[٥]أي من الشواهد على ما قلنا:«و من لم يكن من أهل اللسان فهو عاجز...».