مباحث في علوم القران لمناع القطان - مناع القطان - الصفحة ٦١
ولو بمكة، أو عرفة: مدني، كالذي نزل عام الفتح، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الأمَانَات إلَى أهْلِهَا} [١], فإنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم، أو نزل بحجة الوداع كقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا} [٢], وهذا الرأي أولى من الرأيين بعده لحصره واطراده.
الثاني: اعتبار مكان النزول، فالمكي: ما نزل بمكة وما جاورها كمِنى وعرفات والحديبية. والمدني: ما نزل بالمدينة وما جاورها كأُحد وقُباء وسلع.
ويترتب على هذا الرأي عدم ثنائية القسمة وحصرها، فما نزل بالأسفار أو بتبوك أو ببيت المقدس لا يدخل تحت القسمة[٣]، فلا يسمى مكيًّا ولا مدنيًّا، كما يترتب عليه كذلك أن ما نزل بمكة بعد الهجرة يكون مكيًّا.
الثالث: اعتبار المخاطَب، فالمكي: ما كان خطابًا لأهل مكة، والمدني: ما كان خطابًا لأهل المدينة.
وينبني على هذا الرأي عند أصحابه أن ما في القرآن من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} مكي، وما فيه من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُواُ} مدني.
وبالملاحظة يتبين أن أكثر سور القرآن لم تُفْتَتَحْ بأحد الخطابين، وأن هذا الضابط لا يطرد، فسورة البقرة مدنية، وفيها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [٤].. وقوله
[١] النساء: ٥٨.
[٢] في الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع [والآية من سورة المائدة: ٣] .
[٣] فسورة "الفتح" نزلت بالسفر، وقوله تعالى في سورة التوبة: ٤٢: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ} نزل بتبوك، وقوله: {وَاسْألْ مَنْ أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا} في سورة الزخرف: ٤٥، نزل ببيت المقدس ليلة الإسراء.
[٤] البقرة: ٢١.