تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٨١
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: {§فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} [يوسف: ٨٠] يَئِسُوا مِنْهُ، وَرَأَوْا شِدَّتَهُ فِي أَمْرِهِ " وَقَوْلُهُ: {خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: ٨٠] يَقُولُ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَتَنَاجَوْنَ، لَا يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ وَالنَّجِيُّ جَمَاعَةُ الْقَوْمِ الْمُتَنَاجِينَ يُسَمَّى بِهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وَرِجَالٌ عَدْلٌ، وَقَوْمٌ زُورٌ وَفِطْرٌ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَجَوْتُ فُلَانًا أَنْجُوهُ نَجِيًّا، جُعِلَ صِفَةً وَنَعْتًا، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: ٥٢] فَوَصَفَ بِهِ الْوَاحِدَ، وَقَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: {خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: ٨٠] فَوَصَفَ بِهِ الْجَمَاعَةَ، وَيَجْمَعُ النَّجِيُّ أَنْجِيَةً، كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
[البحر الكامل]
وَشَهِدْتُ أَنْجِيَةَ الْأُفَاقَةِ عَالِيًا ... كَعْبِي وَأَرْدَافُ الْمُلُوكِ شُهُودُ
وَقَدْ يُقَالُ لِلْجَمَاعَةِ مِنَ الرِّجَالِ: نَجْوَى، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء: ٤٧] وَقَالَ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} [المجادلة: ٧] وَهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَتَنَاجَوْنَ وَتَكُونُ النَّجْوَى أَيْضًا مَصْدَرًا، كَمَا قَالَ -[٢٨٢]- اللَّهُ: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} [المجادلة: ١٠] تَقُولُ مِنْهُ: نَجَوْتُ أَنْجُو نَجْوَى، فَهِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمُنَاجَاةُ نَفْسُهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر المتقارب]
بُنَيَّ بَدَا خِبُّ نَجْوَى الرِّجَالِ ... فَكُنْ عِنْدَ سِرِّكَ خَبَّ النَّجِي
فَالنَّجْوَى وَالنَّجِيُّ فِي هَذَا الْبَيْتِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُنَاجَاةُ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: ٨٠] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ