تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٤٣
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: ٣٣] وَهَذَا الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ قَدْ عَاوَدَتْ يُوسُفَ فِي الْمُرَاوَدَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَوَعَّدَتْهُ بِالسِّجْنِ وَالْحَبْسِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَاخْتَارَ السِّجْنَ عَلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ عَاوَدَتْهُ وَتَوَعَّدَتْهُ بِذَلِكَ، كَانَ مُحَالًا أَنْ يَقُولَ: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: ٣٣] وَهُوَ لَا يُدْعَى إِلَى شَيْءٍ وَلَا يُخَوَّفُ بِحَبْسٍ. وَالسِّجْنُ هُوَ الْحَبْسُ نَفْسُهُ، وَهُوَ بَيْتُ الْحَبْسِ. وَبِكَسْرِ السِّينِ قَرَأَهُ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ كُلُّهَا، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْأَمَاكِنَ الْمُشْتَقَّةِ مِنَ الْأَفْعَالِ مَوَاضِعَ الْأَفْعَالِ فَتَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ مَطْلِعًا، وَغَرَبَتْ مَغْرِبًا، فَيَجْعَلُونَهَا وَهِيَ أَسْمَاءُ خَلَفًا مِنَ الْمَصَادِرِ، فَكَذَلِكَ السِّجْنُ، فَإِذَا فُتِحَتِ السِّينُ مِنَ السِّجْنِ كَانَ مَصْدَرًا