تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٣٠٣
وقوله تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ، أي: يعدُهُم بأباطِيلهِ من المالِ، والجاهِ، وأنْ لا بَعْثَ، ولاَ عِقَابَ، ونَحْوِ ذلك لكلِّ أحدٍ مَّا يليقُ بحاله، ويمنِّيهم كذلك، ثم ابتدأ سبحانه الخَبَرَ عن حقيقةِ ذَلِكَ بقوله: وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ثم أخْبَرَ سبحانه بمَصِيرِ المتَّخِذِينَ الشَّيْطَان وَليًّا، وتوعَّدهم بأنَّ مأُوَاهُمْ جهنَّم، لا يدافعونها بحيلة، ولا يتروّغون، ومَحِيصاً: مِنْ حَاصَ إذَا رَاغَ ونَفَرَ ومنه قولُ الشَّاعر: [الطويل]
وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنَا مِنَ المَوْتِ حَيْصَة ... كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمدى مُتَطَاوِلُ «١»
ومنْه الحديثُ: «فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ» ، ولما ذكر سبحانه ما تقدَّم من الوعيد، واقتضى ذلك التحذيرَ، عقَّبَ ذلك عزَّ وجلَّ بالترغيبِ في ذِكْره حالةَ المُؤْمنين، وأعْلَمَ بصحَّة وعده، ثم قرَّر ذلك بالتَّوْقِيفِ علَيْه في قوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، والقيلُ والقَوْلُ واحد، ونصبه على التمييز.
[سورة النساء (٤) : آية ١٢٣]
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣)
وقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ... الاية: الأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، وهي ما يتشهَّاهُ المَرْءُ، ويُطَمِّعُ نفسه فيه، قال ابنُ عبّاس وغيره: الخطاب لأمة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم [٢] وفي «مختصرِ الطبريِّ» ، عن مسروقٍ وغيره، قال: احتجَّ المسلمونَ وأهْلُ الكتابِ، فقال المسلمون: نَحْنُ أهدى، وقال أهْلُ الكتابِ: نَحْنُ أهدى، فأنزل اللَّه هذه الآية [٣] ، وعن مجاهدٍ: قالتِ العربُ: لَنْ نُبْعَثَ، ولَنْ نُعَذَّبَ، وقالتِ اليهودُ والنصارى:
(١) البيت لجعفر بن علية الحارثي وقبله:
فقلنا لهم تلكم إذا بعد كرّة ... تغادر صرعى نوؤها متخاذل
ينظر: «ديوان الحماسة» (١/ ٨) ، وينظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣٦٤) ، و «الدر المصون» (٢/ ٤٢٨) .
وإن حصنا أي: إن عدلنا وانحرفنا عن الموت، يقول: لم ندر إن حدنا عن القتال الذي فيه الموت، وعدلنا عنه، كم يكون بقاؤنا؟! فلم نحيد ونرتكب العار؟! ولعلنا إن تركنا القتال لم نعش إلا قليلا.
[٢] أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٨٨) برقم (١٠٥٠١) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١١٦) .
[٣] أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٨٧) برقم (١٠٤٩٧) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١١٦) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٩٨) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مسروق.