تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ١١٨
هذه الآية في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وهي بمنزلة «كَمْ» ، وبمعناها تعطى في الأغلب التكثيرَ، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو: «قُتِلَ» مَبْنياً لما لم يسمَّ فاعله، وقرأ [١] الباقُونَ «قَاتَلَ» ، فقوله: «قُتِلَ» ، قال فيه جماعةٌ من المفسِّرين، منهم الطَّبريُّ [٢] : إنه مستند إلى ضميرِ «نَبِيٍّ» ، والمعنى عندهم أنَّ النبيَّ قُتِلَ، ونحا إليه ابنُ عَبَّاس، وإذا كان هذا، ف «رِبِّيُّونَ» مرتفعٌ بالظرف بلا خلاف، وهو متعلِّق بمحذوفٍ، وليس متعلِّقاً ب «قُتِلَ» ، وقال الحَسَن بْنُ أبي الحَسَن وجماعة: إنَّ «قُتِلَ» إنما هو مستندٌ إلى قوله: «رِبِّيُّون» ، وهم المقتولُونَ [٣] ، قال الحَسَن، وابنُ جُبَيْر: لم يقتل نبيٌّ في حَرْبٍ [٤] قطُّ.
قال ع [٥] : فعلى هذا القول يتعلَّق قوله: «مَعَهُ» ب «قُتِلَ» ورجح الطبريّ [٦] القول الأوّل بدلالة نازلة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أنَّ المؤمنين إنما تخاذلوا يَوْم أحد، لما قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّد، فضرب المَثَل بنَبِيٍّ قُتِلَ، وترجيحُ الطبريِّ حسن ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم من قوله:
أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ [آل عمران: ١٤٤] وحجة من قَرَأَ «قَاتَلَ» : أنها أعمُّ في المدح لأنه يدخل فيها مَنْ قتل، ومن بقي.
- الصحابة كتبتها: «كأيّن» بثبوت النون، فمن ثمّ وقف عليها جمهور القراء بالنون اتباعا لرسم المصحف.
ووقف أبو عمرو وسورة بن مبارك- عن الكسائي- عليها: «كأي» من غير نون على القياس. واعتلّ الفارسي لوقف النون بأشياء طوّل بها، منها: أنّ الكلمة لمّا ركّبت خرجت عن نظائرها، فجعل التنوين كأنه حرف أصلي من بنية الكلمة. وفيها لغات خمس:
أحدها: «كأيّن» وهي الأصل.
والثانية: «كائن» بزنة «كاعن» .
اللغة الثالثة: «كأين» بياء خفيفة بعد الهمزة على مثال: كعين.
اللغة الرابعة: «كيئن» بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة.
واللغة الخامسة: «كئن» على مثال كع، ونقلها الداني قراءة عن ابن محيصن.
ينظر: «الدر المصون» (٢/ ٢٢٤- ٢٢٥- ٢٢٦) .
[١] وحجة من قرأ «قتل» : أن ذلك نزل معاتبة لمن أدبر عن القتال يوم أحد، إذ صاح صائحهم: قتل محمد صلّى الله عليه وسلّم، فلما تراجعوا كان اعتذارهم أن قالوا: سمعنا «قتل محمد» ، فنزلت.
انظر: «البحر المحيط» (٢/ ٥١٦) ، و «الدر المصون» (٢/ ١٣٣) .
[٢] ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٤٦٠) .
[٣] ذكره ابن عطية (١/ ٥٢٠) .
[٤] ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٤٢٨) عن الحسن، وذكره (أيضا) البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٦٠) ، وابن عطية (١/ ٥٢٠) .
[٥] ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٢٠) .
[٦] ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٤٦١) .