تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٦٤
قال ص: وَهُمْ يَعْلَمُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ. اهـ.
ثم ردَّ اللَّه تعالى في صَدْر قولهم: لَيْسَ عَلَيْنا بقوله: بَلى أي: عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر على جهة الشرط أنَّ مَنْ أوفى بالعَهْد، واتقى عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... الآية: آية وعيدٍ لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ وخَتْرِ [١] المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها بحَسَب جريمتِهِ.
قال ابنُ العربِيِّ في «أحكامه» [٢] : وقد اختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك: أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ:
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... الآية، قال: فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليهود أرض، فجحدني، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ» ، قُلْتُ: إذَن يَحْلِفَ، يَا رسول الله، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذَكَرَ الحديث [٣] . اهـ.
وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ... الآية: يَلْوُونَ: معناه:
يحرِّفون ويتحيَّلون لتبديل المعانِي من جهة اشتباه الألفاظ، واشتراكها، وتشعّب
[١] الختر: شبيه بالغدر والخديعة، وقيل: هو الخديعة بعينها، وقيل: هو أسوأ الغدر وأقبحه، وفي التنزيل العزيز: كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [لقمان: ٣٢] . ينظر: لسان العرب» (١٠٩٩) .
[٢] ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٢٧٧- ٢٧٨) .
[٣] أخرجه البخاري (٥/ ٢٨٠) ، كتاب «الشهادات» ، باب اليمين على المدعى عليه، حديث (٢٦٦٩، ٢٦٧٠) ، ومسلم (١/ ١٢٢- ١٢٣) كتاب «الإيمان» ، باب من اقتطع حق امرئ مسلم بيمين فاجرة، حديث (٢٢٠/ ١٣٨) ، وأبو داود (٤/ ٤١) كتاب «الأقضية» ، باب إذا كان المدعى عليه ذميا، حديث (٣٦٢١) ، والترمذي (٥/ ٢٢٤) كتاب «التفسير» باب (٤) حديث (٢٩٩٦) ، وابن ماجة (٢/ ٧٧٨) كتاب «الأحكام» ، باب البينة على المدعي، حديث (٢٣٢٢) .
والحميدي (١/ ٥٣) رقم (٩٥) ، والطيالسي (١/ ٢٤٦) رقم (١٢١٦) ، وأبو عوانة (١/ ٣٨- ٣٩) باب بيان الأعمال التي يستوجب فاعلها عذاب الله، وأبو يعلى (٩/ ٥٠- ٥١) رقم (٥١١٤) ، والبيهقي (١٠/ ١٧٨) كلهم من طريق أبي وائل عن ابن مسعودٍ قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: «من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان» فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك.