تفسير ابن ابي حاتم الاصيل مخرجا - الرازي، ابن أبي حاتم - الصفحة ٢٨٩٦
§قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: ٤٤]
قَالَ عَطَاءٌ، وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ {§فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [النمل: ٢٢] فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: {سَنَنْظُرَ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا} [النمل: ٢٨] وَكَتَبَ {بِسْمِ اللَّهِ الرٍّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: ١] إِلَى بِلْقَيْسَ {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: ٣١] فَلَمَّا أَلْقَى الْهُدْهُدُ الْكِتَابَ إِلَيْهَا أُلْقِيَ فِي رُوعِهَا أَنَّهُ كِتَابٌ كَرِيمٌ وَ {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} [النمل: ٣٠] وَ {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: ٣١] {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ} {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل: ٣٤] {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [النمل: ٣٥] فَلَمَّا جَاءَتِ الْهَدِيَّةُ سُلَيْمَانَ {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} [النمل: ٣٦] {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ} [النمل: ٣٧] فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ، أَنْبَأَ -[٢٨٩٧]- ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: وَكَانَ بَيْنَ مَلِكَةِ سَبَأٍ وَمَنْ مَعَهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ كَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحِيرَةِ " قَالَ عَطَاءٌ: وَمُجَاهِدٌ حِينَئِذٍ فِي الْأَزْدِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} [النمل: ٣٨] قَالَ: بَيْنَ عَرْشِهَا وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} [النمل: ٣٩] قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ مَجْلِسٌ يَجْلِسُ فِيهِ لِلنَّاسِ كَمَا تَجْلِسُ الْأُمَرَاءُ ثُمَّ يَقُومُ، فَقَالَ: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} [النمل: ٣٩] قَالَ: سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ: فَقَالَ {الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [النمل: ٤٠] أَنَا أَنْظُرُ فِي كِتَابِ رَبِّي، ثُمَّ {آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: ٤٠] قَالَ: فَنَبَعَ عَرْشُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمِ سُلَيْمَانَ، مِنْ تَحْتِ كُرْسِيٍّ كَانَ يَضَعُ عَلَيْهِ رِجْلَهُ ثُمَّ يَصْعَدُ إِلَى السَّرِيرِ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى سُلَيْمَانُ عَرْشَهَا {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} [النمل: ٤٠] {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا} [النمل: ٤١] {فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ} [النمل: ٤٢] لَهَا {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل: ٤٢] قَالَ: فَسَأَلَتْهُ حِينَ جَاءَتْهُ عَنْ أَمْرَيْنِ، قَالَتْ لِسُلَيْمَانَ، مَا مَاءٌ مِنْ زَبَدٍ رُوَاءٍ لَيْسَ مِنْ أَرْضٍ وَلَا سَمَاءٍ؟ وَكَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ سَأَلَ عَنْهُ الْإِنْسَ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ الْجِنَّ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ الشَّيَاطِينَ قَالَ: فَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ: هَذَا هَيِّنٌ أَجْرِ الْخَيْلَ، ثُمَّ خُذْ عَرَقَهَا ثُمَّ امْلَأْ مِنْهُ الْآنِيَةَ قَالَ: أَمَرَ بِالْخَيْلِ فَأُجْرِيَتْ، ثُمَّ أَعَدَّ عَرَقَهَا فَمَلَأَ مِنْهُ الْآنِيَةَ قَالَ: سَأَلَتْ عَنْ لَوْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: فَوَثَبَ سُلَيْمَانُ عَنْ سَرِيرٍ، فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ، لَقَدْ سَأَلَتْنِي عَنْ أَمْرٍ إِنَّهُ لَيَتَكَايَدُ فِي قَلْبِي أَنْ أَذْكُرَهُ لَكَ، قَالَ: ارْجِعْ فَقَدْ كَفَيْتُكُمْ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: مَا سَأَلْتِ عَنْهُ؟ فَقَالَتْ: مَا سَأَلْتُكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ، قَالَ: لِجُنُودِهِ: مَا سَأَلَتْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: مَا سَأَلَتْكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ قَالَ: وَنُسُّوهُ كُلُّهُمْ، قَالَ: فَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ: لَسُلَيْمَانُ يُرِيدُ أَنَ يَتَّخِذَهَا لِنَفْسِهِ، فَإِنِ اتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ وُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ نَنْفَكَّ مِنْ عُبُودِيَّةٍ، قَالَ: فَجَعَلُوا صَرْحًا مُمَرَّدًا مِنْ قَوَارِيرَ فِيهِ السَّمَكُ، قَالَ: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا} [النمل: ٤٤] فَإِذَا هِيَ شَعْرَاءُ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: هَذَا قَبِيحٌ مَا يُذْهِبُهُ؟ فَقَالُوا: يُذْهِبُهُ الْمَوَاسِي فَقَالَ نَبِيُّهُمْ: أَثَرُ الْمَوَاسِي قَبِيحٌ قَالَ: فَجَعَلَتِ الشَّيَاطِينُ النَّوْرَةَ قَالَ: فَهُوَ أَوَّلُ مَا جُعِلَتِ النَّوْرَةُ لَهُ قَالَ: فَقَرَأَ مَا بَيْنَ {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} [النمل: ٢٠] حَتَّى انْتَهَى {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} [النمل: ٣٧] " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ
١٦٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، " §فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ وَدَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ دُونَ اللَّهِ، فَقَالَتْ بِقَوْلِ الزَّنَادِقَةِ: أَوَلَيْسَ بِأُخَيَّةٍ؟ فَوَقَعَ سُلَيْمَانُ سَاجِدًا إِعْظَامًا لِمَا قَالَتْ وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ، وَسَقَطَ فِي يَدِهَا حِينَ رَأَتْ سُلَيْمَانَ صَنَعَ مَا صَنَعَ، فَلَمَّا رَفَعَ سُلَيْمَانُ رَأْسَهُ قَالَ: وَيْحَكِ، مَاذَا قُلْتِ؟، وَأُنْسِيَتْ مَا قَالَتْ، فَقَالَتْ {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: ٤٤] فَأَسْلَمَتْ فَحَسُنَ إِسْلَامُهَا "
١٦٤٤٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، ثنا مُجَاهِدٌ، وَنَحْنُ فِي الْأَزْدِ، ثنا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ §سُلَيْمَانُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَرَاسِيَّ حَوْلَهُ فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا الْإِنْسُ ثُمَّ يَجْلِسُ الْجِنُّ، ثُمَّ الشَّيَاطِينُ، ثُمَّ تَأْتِي الرِّيحُ فَتَرْفَعُهُمْ، ثُمَّ تُظِلُّهُمُ الطَّيْرُ ثُمَّ تَغْدُو قَدْرَ مَا يَشْتَهِي الرَّاكِبُ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرًا، وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَسِيرٍ لَهُ إِذْ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ قَالَ: فَفَقَدَ الْهُدْهُدَ، فَقَالَ: {مَالِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} قَالَ: فَكَانَ عَذَابُهُ إِيَّاهُ أَنْ يَنْتِفَهُ ثُمَّ يُلْقِيَهُ بِالْأَرْضِ، فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ نَمْلَةٍ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ "