سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ١٠٤
قُلْتُ: صَدَقَ -رَحِمَهُ اللهُ- وَمَن نظَرَ فَى كَلاَمِهِ فِي الجرحِ وَالتعديلِ عَلِمَ وَرعَهُ فِي الكَلاَمِ فِي النَّاسِ، وَإِنصَافَهُ فِيْمَنْ يُضَعِّفُهُ فَإِنَّهُ أَكْثَر مَا يَقُوْلُ: مُنْكَرُ الحَدِيْثِ سَكَتُوا عَنْهُ فِيْهِ نظرٌ وَنَحْو هَذَا، وَقَلَّ أَنْ يَقُوْلَ: فلان كَذَّابٌ أَوْ كَانَ يَضَعُ الحَدِيْثَ حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: إِذَا قُلْتُ فُلاَنٌ فِي حَدِيْثِهِ نَظَرٌ فَهُوَ مُتَّهَمٌ، وَاهٍ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: لاَ يُحَاسبُنِي اللهُ أَنِّي اغتبْتُ أَحَداً، وَهَذَا هُوَ وَاللهِ غَايَةُ الوَرَعِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي حَاتِمٍ الوَرَّاقُ: سَمِعْتُهُ يَعْنِي البُخَارِيَّ يَقُوْلُ: لاَ يَكُوْنُ لِي خصمٌ فِي الآخِرَةِ فَقُلْتُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَنْقِمُونَ عَلَيْكَ فِي كِتَابِ "التَّارِيْخ" وَيَقُوْلُوْنَ: فِيْهِ اغتيَابُ النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّمَا روينَا ذَلِكَ رِوَايَةً لَمْ نَقُلْهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بِئْسَ مَوْلَى العَشِيْرَةِ" [١] يَعْنِي: حَدِيْث عَائِشَةَ.
وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مَا اغتبْتُ أَحَداً قَطُّ مُنْذُ عَلِمتُ أَنَّ الغِيبَةَ تَضُرُّ أَهْلَهَا.
قَالَ: وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ يُصَلِّي فِي، وَقْتِ السَّحَرِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَكَانَ لاَ يُوقظنِي فِي كُلِّ مَا يقوم فَقُلْتُ: أَرَاكَ تحمِلُ عَلَى نَفْسِكَ، وَلَمْ توقظْنِي قَالَ: أَنْتَ شَابٌّ وَلاَ أُحِبُّ أَنْ أُفْسِدَ عَلَيْكَ نَومَكَ.
وَقَالَ غُنْجَارٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بنُ المُقْرِئِ سَمِعْتُ بَكْرَ بنَ مُنِيْرٍ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ يُصَلِّي ذَاتَ لَيْلَةٍ فلسعَهُ الزُّنْبُورُ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً فَلَمَّا قضَى الصَّلاَةَ قَالَ: انْظُرُوا أَيش آذَانِي.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي حَاتِمٍ: دُعِيَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ إِلَى بُسْتَانِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا صَلَّى بِالقَوْمِ الظُّهْرَ، قَامَ يتطوَّعُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ رفعَ ذيلَ قمِيصِهِ فَقَالَ لبَعْضِ مَنْ مَعَهُ: انظُرْ هَلْ تَرَى تَحْتَ قمِيصِي شَيْئاً فَإِذَا زنبورٌ قَدْ أَبَرَهُ فِي ستِّةِ عشر، أو سبعة عشر موضعًا،
[١] صحيح: أخرجه أحمد "٦/ ٣٨"، والحميدي "٢٤٩"، والبخاري "٦٠٥٤"، "٦١٣١"، ومسلم "٢٥٩١"، "٧٣"، وأبو داود "٤٧٩١"، والترمذي "١٩٩٦"، والبيهقي "١٠/ ٢٤٥"، والبغوي "٣٥٦٣" من طرق عن سفيان بن عيينة، قال: سمعت ابن المنكدر يقول: حدثني عروة بن الزبير قال: حدثتني عائشة أن رجلا استأذن عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "ائذنوا له، فلبئس ابن العشيرة، أو بئس رجل العشيرة" فلما دخل عليه ألان له القول. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله قلت له الذي قلت لِمَ ألنت له القول؟ قال: "يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه".
وأخرجه البخاري "٦٠٣٢"، من طريق روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، به.
وأخرجه عبد الرزاق "٢٠١٤٤"، ومن طريقه أخرجه مسلم "٢٥٩١"، عن معمر، عن ابن المنكدر، به.