الفوائد المدنيّة - الأسترآبادي، محمّد أمين - الصفحة ٤١٠ - نقل ما في شرح القصيدة لابن حجر المكّي
من أهل الجنّة لأنّهما من أقرب المختارين. وهذا هو الحقّ ، بل في حديث صحيح غير واحد من الحفّاظ ـ ولم يلتفتوا لمن طعن فيه ـ أنّ الله تعالى أحياهما له فآمنا به خصوصية لهما وكرامة له صلىاللهعليهوآله فقول ابن دحية : « بردّه القرآن والإجماع » ليس في محلّه ، لأنّ ذلك ممكن شرعا على جهة الكرامة والخصوصيّة ، فلا يردّه قرآن ولا إجماع. وكون الإيمان به لا ينفع بعد الموت محلّه في غير الخصوصيّة والكرامة ، وقد صحّ أنّه صلىاللهعليهوآله ردّت عليه الشمس بعد مضيّها فعاد الوقت حتّى صلّى العصر أداء [١] كرامة له صلىاللهعليهوآله فكذا هنا. وطعن بعضهم في صحّة هذا ممّا لا يجدي أيضا. وخبر « إنّ الله تعالى لم يأذن لنبيّه صلىاللهعليهوآله في الاستغفار لامّه » [٢] إمّا كان قبل إحيائها له وإيمانها به ، أو أنّ المصلحة اقتضت تأخير الاستغفار لها عن ذلك الوقت فلم يؤذن له فيه حينئذ.
فإن قلت : إذا قرّرتم أنّهما من أهل الفترة وأنّهم لا يعذّبون فما فائدة الإحياء.
قلت : فائدته اتّحافهما بكمال لم يحصل لأهل الفترة ، لأنّ غاية أمرهم أنّهم الحقوا بالمسلمين في مجرّد السلامة من العقاب ، وأمّا مراتب الثواب العليّة فهم بمعزل عنها ، فالحقا بمرتبة الإيمان زيادة في شرف كمالهما بحصول تلك المراتب لهما.
ولا يرد على الناظم « آزر » فإنّه كافر مع أنّ الله تعالى ذكر في كتابه العزيز أنّه أبو إبراهيم عليهالسلام وذلك ، لأنّ أهل الكتابين أجمعوا على أنّه لم يكن أباه حقيقة وإنّما كان عمّه والعرب تسمّي العمّ أبا ، بل في القرآن ذلك ، قال تعالى : وآبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [٣] مع أنّه [٤] عمّ يعقوب ، بل لو لم يجمعوا على ذلك وجب تأويله بهذا جمعا بين الأحاديث. وأمّا من أخذ بظاهره ـ كالبيضاوي وغيره ـ فقد تساهل واستروح.
وحديث مسلم قال رجل : يا رسول الله أين أبي؟ قال : « في النار » فلمّا قفا دعاه فقال : « إنّ أبي وأباك في النار » [٥] متعيّن تأويله ، وأظهر تأويلاته : أنّه أراد بأبيه عمّه
[١] كنز العمّال ١٢ : ٣٤٩ ح ٣٥٣٥٣. [٢] السيرة الحلبية ١ : ١٠٦. [٣] كذا ، والآية ( آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) يوسف : ٣٨ ، فلا تصلح للاستدلال ، نعم يصحّ الاستدلال بقوله تعالى حكاية عن بني يعقوب : ( نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ) البقرة : ١٣٣. [٤] يعني إسماعيل عليهالسلام. [٥] صحيح مسلم ١ : ١٩١ ، ٣٤٧.